الشهيد ‘عز الدين القسام’ الصفحة 3 من 4

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

موعد مع الشهادة: ‘20/11/1935م’
كانت عيون الإنجليز واليهود مفتوحة على الشعب، ثم تركزت على الشيخ عز الدين، وقد استدعته سلطة الاحتلال الإنجليزي وحققت معه أكثر من مرة، وكان في كل مرة مثال العالم المجاهد الشامخ بعلمه وعمامته، يقارعهم الحجة بالحجة، ولا يخشى سجونهم وما فيه من بلاء.
ولما عرف الشيخ أن وضعه قد انكشف، وعرف أعداؤه بعض ما قام به وما يخطط للقيام به، خرج بأعوانه إلى جبل جنين، لإثارة الفلاحين وتدريبهم على حمل السلاح ، ومقارعة الإنجليز واليهود، وقبل أن يتحرك الشيخ وأعوانه لتنفيذ ما نووا القيام به، كشفت سلطات الاحتلال مكانه، فحشدت أكثر من مائة وخمسين شرطياً بريطانياً وعربياً، وحاصرته في أحراش (يعبد) صباح 20/11/1935 من ثلاث جهات، وكان بإمكان الشيخ وإخوانه أن يهربوا، ولكنه أبى الفرار من المعركة التي فرضت عليه، وقرر خوضها مع علمه بأنها معركة غير متكافئة من حيث العدة والعدد والتدريب والمكان، فقد كان الشيخ وإخوانه في الوادي، وكان المهاجمون المحاصرون في الجبل.
كان القائد الإنجليزي وضع الشرطة العرب في ثلاثة صفوف أمامية، فكانوا يتقدمون الحملة، وكان القائد الإنجليزي قد أوهمهم أنهم يهاجمون عصابة من اللصوص وقطاع الطرق، فأمر الشيخ القسام إخوانه بألا يقتلوا أحداً من الشرطة العرب الذين كانوا يتقدمون نحو المجاهدين، وهم لا يعرفون أنهم يقاتلون الرجل الذي يحبونه إلى أن أحيط بالشيخ وإخوانه فطلب قائد الحملة من الشيخ أن يستسلم وإخوانه، لينجوا من الموت المؤكد، فأجابه الشيخ الذي يرى الموت ماثلاً أمامه: (هذا جهاد في سبيل الله، ومن كان هذا جهاده لا يستسلم لغير الله( ) يبدو أن الأمر كان لا يتحمل المناورة والتكتيك السياسي في ذلك الموقف)، ثم التفت إلى إخوانه وهتف بهم : ‘موتوا شهداء’.
فاستشهد الشيخ وأربعة من إخوانه، وجرح اثنان، وأسر أربعة، بعد ست ساعات من القتال الضاري، أظهر فيه الشيخ وإخوانه بطولة نادرة، وكانوا أمثلة حية تحتذى في التضحية والإخلاص لله والأمة والوطن، وكان لاستشهاد الشيخ وإخوانه دوي هائل في فلسطين خاصة وبلاد الشام عامة.
ودفن الشيخ عز الدين في قرية (الشيخ) قرب حيفا، ورثاه كبار الأدباء والشعراء والعلماء والسياسيين.. ولم يخف بعد القادة الإنجليز إعجابهم بالشيخ وبطولته وجهاده.
وكان لمقتل الشيخ القسام الأثر الأكبر في اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936وكانت نقطة تحول كبيرة في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية بعد ذلك. ثم استأنف تلاميذه انتفاضتهم الأولى عام 1987 والثانية عام 2000 وما تزال مستمرة، شعارها ذلك الذي رفعه رائد المجاهدين الاستشهاديين في العصر الحديث: هذا جهاد نصر أو استشهاد، وسيكون نصراً مؤزراً إن شاء الله القوي العظيم مهما تكاثفت الغيوم واسودت المؤامرات في الداخل والخارج، وبرغم أنوف المتآمرين مع بني صهيون من الفلسطينيين والعرب والبريطانيين والأمريكان، والله غالب على أمره، وناصر جنده الذين رباهم الشيخ المجاهد الشهيد عز الدين القسام.
فاستشهاد القسَّام كان دفقة الدم التي سرت في كلمات مواعظه، فالرجل وإن حصر نشاط دعوته في منطقة واحدة -مما أسهم في إجهاض بواكيرها- إلا أن موته نشر الفكرة التي جاهد من أجلها طويلاً، فغدا القسَّاميون بالآلاف، وقاد من تبقّى من رفاقه المجموعات السرية التي قادت الثورة الفلسطينية خلال الأعوام 1936 - 1939م.
خروج القسَّام واستشهاده كان صفعة مدوية على وجوه الزعامات التي أنهكتها الصراعات والتكالب على المكاسب، فجرفتها عن المصلحة الوطنية الحقيقية، فهي لم تخرج في جنازته بل سارعت إلى لقاء المندوب البريطاني لتحذيره من أن عدم التجاوب مع مطالبهم السياسية سيقوِّض نفوذهم الجماهيري، ويؤدي إلى انتشار الأفكار المتطرفة في صفوف الجماهير.