الشهيد ‘عز الدين القسام’ الصفحة 2 من 4

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

جهاده:
حكايته مع الجهاد ضد الاستعمار الأوروبي بدأت فور قيام الايطاليين باحتلال ليبيا عام 1911، حيث نجح المجاهد عز الدين القسام بجمع التبرعات والمتطوعين في سوريا من اجل مساندة ثورة عمر المختار، حيث أعرب الكثير من السوريين عن استعدادهم للجهاد وخرجوا في مظاهرات رددوا خلالها القول ‘يا رحيم يا رحمان غرق اسطول الطليان’ لكن السلطات التركية آنذاك لم تـأذن لهم بالسفر الى ليبيا، فسافر المجاهد عز الدين القسام برفقة صديق له وسلم التبرعات التي جمعها للمختار ثم عاد الى سوريا
وغداة فرض الانتداب الفرنسي على سوريا في مؤتمر سان ريمو عام 1921، كان القسام من أوائل المتصدين للفرنسيين. وفي البداية تجول المجاهد عز الدين القسام هنا وهناك محرضاً الناس على الثورة ثم انتقل الى العمل المسلح في منطقة اللاذقية، ولم يرتدع الفرنسيون عن استخدام أكثر وسائل التعذيب وحشية من أجل وأد الثورة في مهدها فكانوا يقصفون ويحرقون القرية التي سمعوا بأن القسام يزورها، وحاول الفرنسيون إغراءه، ولكن هيهات لمن باع نفسه لله أن يستجيب لمغريات الدنيا، فقد نوى الشهادة في سبيل الله، فماذا يستفيد من ذهب الدنيا وما فيها من متع ومتاع ؟
وعندما لم يستجب للإغراء، ولم يتمكنوا منه في ساحات القتال، رغم الأعمال الوحشية التي ارتكبوها بحق الفلاحين الفقراء الذين كانوا يتعاونون مع القسام، ويؤون رجاله، اجتمع (الديوان العرفي) في (دولة العلويين التي كانت قائمة أيام الانتداب الفرنسي) وحكم على القسام وبعض رجاله المقربين منه بالإعدام ، ووضعوا مكافأة كبيرة لمن يدل عليه، قدرها عشرة آلاف ليرة.
عندها نصحه صديقه القصاب بالرحيل إلى فلسطين، لمتابعة الجهاد هناك، حيث الأرض المقدسة أسيرة محتلة من قبل الإنكليز وقائدهم الجنرال اللنبي الذي قال بعد أن احتلها: (الآن انتهت الحروب الصليبية) وتذاكرا وعد بلفور المشئوم بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين التي قرر الإنكليز وتعهدوا أن تكون وطناً قومياً لأعدى أعداء المسلمين والإنسانية: اليهود ، وسوف يمكنونهم في فلسطين، والجهاد هو الجهاد في أي أرض مسلمة يجتاحها الغزاة، في مصر، وفي طرابلس الغرب، وفي بلاد الشام، وقبلها فلسطين والقدس والمسجد الأقصى فالإنكليز أساس البلاء ويجب محاربتهم وطردهم من فلسطين قبل أن يستفحل خطر اليهود ويتمكنوا من الأرض المقدسة التي باركها الله وبارك ما حولها.
وانتقل المجاهد عز الدين القسام الى حيفا عبر الاراضي اللبنانية برفقة شقيقه فخري القسام وابن عمه عبد المالك القسام ومجاهد من مصر يدعى محمد الحنفي ومجاهدين آخرين.
وفور وصوله الى حيفا عمل المجاهد عز الدين القسام مدرساً في مدرسة البرج الإسلامية ثم مأذوناً شرعياً في مسجد الاستقلال الذي بادر الى بنائه من خلال رعايته لحملة تبرعات خاصة.
وعن مثابرة القسام على الجهاد واستعداده لبذل الغالي والرخيص في سبيل الحرية ومكافحة الاستعمار الاجنبي للبلدان العربية، لم يكتف المجاهد عز الدين القسام بشراء السلاح بواسطة المال الذي كان يجمعه وشقيقه فخري لقاء عملهما بل قام بإرسال شقيقه الى جبلة ليبيع بيتهما كي يستطيع شراء السلاح المهرب. وقد حكم عليه الاحتلال الفرنسي بالإعدام غيابياً.
وفي حيفا اتخذ القسام مسجد الاستقلال في الحي القديم بالمديمة مقراً له حيث استوطن فقراء الفلاحين الحي بعد أن نزحوا من قراهم، ونشط القسام بينهم يحاول تعليمهم ويحارب الأمية المنتشرة بينهم، فكان يعطي دروساً ليلية لهم، ويكثر من زيارتهم، وقد كان ذلك موضع تقدير الناس وتأييدهم.
والتحق بالمدرسة الإسلامية في حيفا، ثم بجمعية الشبان المسلمين هناك، وأصبح رئيساً لها عام 1926. كان القسام في تلك الفترة يدعو إلى التحضير والاستعداد للقيام بالجهاد ضد الاستعمار البريطاني، ونشط في الدعوة العامة وسط جموع الفلاحين في المساجد الواقعة شمال فلسطين.
تميزت دعوته في تلك الفترة بوضوح الرؤية، حيث كان يعتبر الاحتلال البريطاني هو العدو الأول لفلسطين، ودعا في الوقت نفسه إلى محاربة النفوذ الصهيوني الذي كان يتزايد بصورة كبيرة، وظل يدعو الأهالي إلى الاتحاد ونبذ الفرقة والشقاق حتى تقوى شوكتهم، وكان يردد دائماً أن الثورة المسلحة هي الوسيلة الوحيدة لإنهاء الانتداب البريطاني والحيلولة دون قيام دولة صهيونية في فلسطين.
وكان أسلوب الثورة المسلحة أمراً غير مألوف للحركة الوطنية الفلسطينية آنذك، حيث كان نشاطها يتركز في الغالب على المظاهرات والمؤتمرات.
واستطاع تكوين خلايا سرية من مجموعات صغيرة لا تتعدى الواحدة منها خمسة أفراد، وانضم في عام 1932 إلى فرع حزب الاستقلال في حيفا، وأخذ يجمع التبرعات من الأهالي لشراء الأسلحة. وتميزت مجموعات القسام بالتنظيم الدقيق، فكانت هناك الوحدات المتخصصة كوحدة الدعوة إلى الجهاد، ووحدة الاتصالات السياسية، ووحدة التجسس على الأعداء، ووحدة التدريب العسكري.
ولم يكن القسام في عجلة من أمر إعلان الثورة، فقد كان مؤمناً بضرورة استكمال الإعداد والتهيئة، لذا فإنه رفض أن يبدأ تنظيمه في الثورة العلنية بعد حادثة البراق 1929 لاقتناعه بأن الوقت لم يحن بعد.
تسارعت وتيرة الأحداث في فلسطين في عام 1935، وشددت السلطات البريطانية الرقابة على تحركات الشيخ القسام في حيفا، فقرر الانتقال إلى الريف حيث يعرفه أهله منذ أن كان مأذوناً شرعياً وخطيباً يجوب القرى ويحرض ضد الانتداب البريطاني، فأقام في منطقة جنين ليبدأ عملياته المسلحة من هناك. وكانت أول قرية ينزل بها هي ‘كفر دان’، ومن هناك أرسل الدعاة إلى القرى المجاورة يشرحون للأهالي أهداف الثورة، ويطلبون منهم التطوع فيها، فاستجابت أعداد كبيرة منهم.
وهكذا استمر خمسة عشر عاماً يخطب ويحاضر ويحض على الجهاد، ويحث على التضحية والبذل والجود بالمال والروح، وكان يشتري الساحل سراً، ويدرب عليه من وقع اختياره عليه من الأتباع، ثم يأمر أعوانه بتدريب من يرونه أهلاً لحفظ السر والكتمان، على السلاح وعلى القتال، ويأمر من يلقاه من أصحاب الحمية والدين باقتناء السلاح، تمهيداً للقيام بثورة حدد أهدافها الثلاثة مسبقاً وهي:

1- تحرير فلسطين من الاستعمار الإنجليزي الذي يعد العدو الأول للفلسطينيين ولسائر المسلمين، لأنه وعد اليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين عبر وعد بلفور المشؤوم عام 1917م وسمح بهجرة عشرات الآلاف منهم إليها، ودرب شبابهم، وسلحهم، وتغاضى عن السلاح الذي كانوا يستوردونه من أوروبا وروسيا.
2- الحيلولة دون تحقيق آمال اليهود في إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين وإنشاء دولة يهودية على أرضها، مهما كلفهم من جهد ودماء وأموال ومتاعب.
3- إقامة دولة عربية إسلامية في فلسطين، تكون نواة لدولة الواحدة التي تجمع العرب والمسلمين وكان شعاره في حركته: (هذا جهاد .. نصر أو استشهاد) يدور على ألسنة المجاهدين في فلسطين.
كان الشيخ عز الدين يعمل في سرية وتكتم، ولا يطلع على خطته إلا خاصة أعوانه ومساعديه الذين كانوا يخططون معه للعمليات التي ينفذونها ضد ثكنات الإنجليز، ومستوطنات اليهود القادمين من الخارج ليلاً، ثم يعودون إلى أعمالهم نهاراً، ويستأنفون أعمالهم العادية، فلا ينتبه لهم أحد.