الشهيد ‘عز الدين القسام’ الصفحة 1 من 4

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

نشأته، ورحلته مع العلم:

ولد الشيخ ‘عز الدين القسام’ في بلدة جبلة جنوب اللاذقية بسوريا عام 1882م-1300هـ في بيت متدين حيث كان والده يعمل معلماً للقرآن الكريم في كُتَّاب كان يملكه، وكان أبويه فقيرين بالمال والجاه، ولكنهما غنيان بإيمانهما، غزيران بإسلامهما، مستقيمان في سلوكهما، يخافان الله عز وجل، فما كانا يأكلان ولا يطعمان أولادهما إلا من الحلال الطيب.
وعاش في كنف أبيه الشيخ الصوفي القادري عيشة الكفاف، وتعلم في ‘كُتّابه’ ما تعلم مع أبناء (جبلة) من القراءة والكتابة والقرآن الكريم، وفهم شيئاً من العلوم الشرعية، كما أخذ عن بعض مشايخ بلدته شيئاً من العلوم العربية والشرعية والحساب، وكان متفوقاً على أقرانه في الحفظ والفهم والوعي، وآنس منه أبوه ذلك، فاستخار الله تعالى، ثم قرر أن يعلمه في الجامع الأزهر بمصر.
سافر القسام عام 1896م وهو في الرابع عشر من عمره مع أخيه فخر الدين لدراسة العلوم الشرعية في الأزهر، وكان يتردد على مجالس الشيخ محمد عبده، وينهل من ينابيع عقله الكبير علماً، وعقلاً، ووعياً، وفهماً لمجريات الأمور في العالم الإسلامي الذي يعيش التعاسة، ويقتات الجهل والبؤس ، ويغرق في بحار التخلف.
تأثر الفتى عز الدين بتلك الأفكار الثائرة التي تحض على التمسك بالإسلام عقيدة وجهاداً، وتندد بالاستبداد السياسي، والظلم الاجتماعي، والتخلف العلمي والحضاري، والهبوط الأخلاقي، والاستعمار الغربي الذي كشر عن أنيابه، وتحفز للانقضاض على ما بقي في بلاد المسلمين من ثروات، وفي نفوسهم من بقايا دين يجهلون حقيقة ما يريدوه منهم في هذه الحياة، من أجل الحياة الدنيا، والحياة الآخرة معاً.
كما تأثر بمدرسة الجهاد التي أنشأها العالم الثائر محمد رشدي رضا، فانطلق – القسام – ينهل من معين العلماء المجاهدين، ويتابع معهم أخبار العالم الإسلامي، والحركات الجهادية التي تبذل جهدها لاستنفاذ ما يمكن استنفاذه، وكان القسام يواكب هذا بقراءات كثيرة وعميقة في كتب العلوم الشرعية والعربية وكتب التاريخ، وسير العظماء، حتى اكتسب ثقافة عريضة، كانت أوسع من الفسحة الزمنية التي أمضاها في ردهات الجامع الأزهر.
أفاد من بطون كتب التاريخ، ومن التاريخ الحي على ألسنة العلماء وطلبة العلم، دروساً وعبراً أسقطها على الواقع البائس، فازداد ثورة ولهيباً وحزناً وآلاماً من عيشة الخزي والهوان.
لقد امتلأت نفسه بحقائق الإسلام وقضايا المسلمين، فجعلت منه شخصية فذة تتمثل الإسلام عقيدة وأخلاقاً وسلوكاً كفاحياً، فكان – من بعد – حرباً على الجهل والفقر والظلم والتبعية والتخلف والخرافات والبدع، وداعية إلى الالتزام بالإسلام المصفى ملاذاً وحيداً، وقاعدة انطلاق للنهوض بالأمة، وتحدي أعدائها، والتصدي لألوان الغزو الفكري والحضاري والعسكري الصليبي – الصهيوني اليهودي.
وعاد بعد سنوات يحمل الشهادة الأهلية، وقد تركت تلك السنوات في نفسه أثراً كبيراً حيث تأثر بكبار شيوخ الأزهر من أمثال الشيخ محمد عبده، وبالحركة الوطنية النشطة التي كانت تقاوم المحتل البريطاني والتي نشطت بمصر بعد فشل الثورة العرابية.
وعاد الشيخ القسام إلى جبلة عام 1903، واشتغل بتحفيظ القرآن الكريم في كتَّاب والده، وأصبح بعد ذلك إماماً لمسجد المنصوري في جبلة، وهناك ذاع صيته بخطبه المؤثرة وسمعته الحسنة حيث كان يملك شخصية قوية جداً، أيقظت البلدة من سباتها العميق، أيقظتها كلمات نسيتها وذكرها بها الشيخ الشاب بخطبه الواعية المستنيرة، وبدروسه في مسجدها الكبير الذي يؤم المصلين فيه، ويعظهم، ويخطبهم، ويدعوهم إلى إرسال أولادهم إلى المدرسة التي يعلم فيها نهاراً، وإلى مجيء الأميين منهم، وأكثرهم أميون، مجيئهم إلى المدرسة ليلاً، ليعلمهم لوجه الله تعالى القراءة والكتابة والقرآن العظيم.
ولم يكتف الشيخ الشاب بهذه الدعوات في المسجد الذي غدا إماماً فيه، بل انطلق يغشى المضافات والمجالس، يسهر معهم، ويتحدث إليهم، يعلمهم أمور دينهم، ويفتح عقولهم وقلوبهم وعيونهم وآذانهم على الواقع المزري الذي يرتعون فيه.. كان يهاجم الجهل والفساد والظلم والواقع عليهم، ويندد بالظالمين من أصحاب الأملاك والمزارع الكبيرة الذين يسومونهم سوء العذاب، يشغلونهم ونساءهم وأطفالهم في مزارعهم، ثم يلقون إليهم فتات الطعام وبالي اللباس.
أخذ الشيخ يستقطب الفلاحين والعمال والفقراء، بما أوتى من الصدق والإخلاص والوعي، ومن براعة الحديث، وتواضع النفس، ودماثة الأخلاق، وكياسة التعامل، واستقامة السلوك، وتوثب الروح، واستنارة البصيرة، ومن تسام عما يقتتل حوله الناس، ويتزاحم الطامعون والطامحون في الاستيلاء على الحطام، ومن زهد بما في أيدي الناس، ومن تقشف في حياته البيتية، وفي طعامه ولباسه، ومن تضحية بالمال والوقت والجهد والراحة، ومن جرأة في قول الحق، ونصر المظلوم، ومن استعلاء على المستكبرين وأصحاب النفوذ..
كان الفقراء – وأكثرهم من أتباع الدعوات – يرون فيه القدوة والعالم المحبوب، والصديق الصدوق، كانوا يرونه واحداً منهم، فهو يزورهم في بيوتهم المتواضعة، وفي مزارعهم وقراهم وأماكن عملهم، يشاركهم في أعمالهم، ويؤاكلهم على موائدهم البسيطة ويحضر أعراسهم وأفراحهم، ويظهر الحزن عليه في مآتمهم وأتراحهم ومصائبهم، ويساعد من يستطيع مساعدته منهم، يبذل جهد المقل، فأحبوه، واستمعوا له وأطاعوه، وصار مثلاً أعلى لهم ، فقد كان بحق، قدوة عملية لهم، لا يكتفي بالكلام المعسول، بل يقرن كلامه بالعمل، وربما سبق عمله قوله، وبهذا تميز من سائر من عرفوا من المشايخ والوجهاء والزعماء.
نفذت شخصية الشيخ الشاب إلى عقولهم وقلوبهم، فبادروا إلى إرسال أولادهم إلى مدرسته، وصاروا هم تلاميذ المدرسة الليلية، وصاروا يغشون دروسه وخطبه المسجدية، فأحسوا أن لهم كياناً وشخصية وكرامة، وشعروا بالظلم الواقع بهم، وتململوا، وأفصح بعضهم عن معاناته، فثارت ثائرة كبار الملاك، وعرفوا أن القسام الشيخ هو الذي حرك النيام بأفكاره التي لامست قلوبهم، وأثرت بهم، وجمعتهم حوله، فثار الإقطاعيون على الشيخ، وحاولوا الدس عليه لدى الاتحاديين العلمانيين مثلهم، وهددوا الشيخ الشاب، ولكن هيهات هيهات أن ينثني أو يتراجع من عرف الإسلام، وتشبع بروحه التي قررت التكريم والكرامة لنبي آدم.