انزواءات الصفحة 9 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

طرفة عين فقط، فصلتْ بيني وبين الموت، لو لم أشعر بنمنمة في رجلي، لكانت العقرب قد أفرَغت كل زعافها بدمي، استغلَّت لحظة انشغالي بالأفعى، فاندفعت إلى عُمق الظل؛ حيث قدمي الخارجة من الحذاء، انتفضت وانتفضت، فكانت نهايتها أسرع مما تَصورتُ وتَصَورتْ، الانتفاضة جمعت بين الرؤيا والحاسة الخفيَّة الدفينة التي تَنبثِق مِن مكان مجهول في النفس لتُشارك بإنهاض الوعي ودفع البدهيَّة؛ لتُمارس دورها في ردَّة الفعل الصادة للخطر الذي يوشك أن يحدِق بالإنسان.

رجفة، ولُهاث، وحالة مِن الوعي الممعن في السهوم استقرَّت بأعماقي وأنا أغوص بدوامات ردَّة فعْل تُوزِّع المشاعر وتخبطها وتَنثرها كهالات مِن فراغ حول ذاتي المستفزَّة، نظرت للأفعى بقوة زرقاء اليمامة، أيقنتُ بأن المعركة في مراحلها النهائية حين وجدتُ مكانها فارغًا، عليَّ أن أجدها قبل أن تجدني، ربما تكون هربَت بعيدًا، ولكن مِن الممكن أيضًا أنها انزلقَت بالتواءاتها إلى مكان قريب مِن الظل، تتربَّص اللحظة الحاسمة لتنقضَّ بوحشية سريعة وخاطفة كالبرق أو أسرع، لتكون نهاية وجودي ونهاية الإحساس بالظل، ونهاية علاقتي بالزيتون الذي أودعت في حلقات عمره سنينَ طويلةً مِن عمري، وفوق كل هذا، ستكون السلحفاة المسكينة المَهيضة القوة والكفاح والقِتال عرضةً لنهم قد لا يَبتعلها، لكنه يُمكن أن يَحقنها بزعاف الموت والنهاية.
دُرْتُ في الظل، بعينين ثاقبتَين كعيني عُقاب وصقر ونَسْر، أصغيت بقوة التقاط الأفعى ذاتها لخطوات وحركات الفريسة، كنت مُشنَّفًا إلى أقصى درجات الحساسية والاستشعار، وبأعماقي لوم غريب على تفويت فرصة تفتيتها قبل اختفائها، حالة الحذر والتيقُّظ والخوف شاركتْ جميعُها بتأنيب تسويفي للحظة الحسم التي كانت أقرب إليَّ مِن حدقة العين، لم أستطِع لملمَة ذاتي وزجَّها في إطار واحد يوحِّد القدرة على البحث مِن أجل الانتهاء من التمزُّق والتوزع الذي أعيشه، بتُّ على يقين بأنها تقف على مسافة خطأ أَرتكبه، وهي على مسافة خطأ ستَرتكِبه، لكن الإنسان - قياسًا بالأفاعي - لا يملك شيئًا مِن صبر أو تأنٍّ؛ فهي ترقد بقوة صمْت وصبر في انتظار غير المتوقَّع مِن أجل الحُصول على لحظة انقِضاض لم تكن ضمن مساحات إحساسها أو رؤيتها أو شمِّها، أما أنا فما زالت الرجفة والخوف واللوم والشمس والظل والسلحفاة، إضافة إلى التحسُّب وانتظار اللحظة التي تتفوَّق بها علي، ما زال كل هذا يُذهِب تيُّقظي ويكتسح صبري؛ لذا قررت وبلحظة حاسمة أن أمنحَها حركة تدفعها للهجوم فأتبيَّن مكمنها الذي تتربَّصُني منه.

حرَكتي كانت محدودةً بطريقة التحسُّب والتوقُّع والحذر والانتباه، دائرية بسرعة تكاد تُشبه حالة الدخول بالإغماء، تَناهى إلى سمعي هسيس خفيف، نقلتُ قدمي بتُؤَدة ولكنْ بثِقَل ضغط شديد على الأرض، فارتفع صوت تحطُّم الأغصان الجافة، وما إن ثبتُّ قدمي، حتى رأيتها ترتفِع بجسدها عن الأرض لنُصبح في حالة الوجه للوجه، تسمَّرتُ مكاني، وهي كذلك، فكما أدركتُ أنا خطورة الحركة القادمة بما تحمل مِن موت وفناء ونهاية واندِثار، أدركت هي ذلك، أصبَحت المعركة معركة بقاء، أكون أو لا أكون، فإما أن ينهَش الدود جثَّتي بعد ساعات، أو ينهَش النمل والدود جثَّتها بعد ساعات، لكنها - بحُنكة التجربة والقتل - أسرَع منِّي؛ فهي تَملِك مِن الخبرة ما يَفوق خبرتي في مواجهتها، لم يكن بيَدي أيُّ أداة لمواجهتها، وهي تملك أنيابها وسرعتها وزعافها وتلوِّيها، وأي مُحاوَلة للانحِناء مِن أجل الحصول على حجر أو غصْن ستَكون سرعتها حاسِمة في الانقضاض والانتهاء مِن هذا التوتُّر الذي تَغلي الشمس مكوناته بحرارة تتميَّز غيظًا وقهرًا، كيف استطعْتُ تَفادي انقضاضتِها السريعة؟ لا أعلم.