انزواءات الصفحة 8 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

لحظات طويلة تلك التي مرَّت وأنا بين الماضي والحاضر، حتى إنني تساءلتُ بيني وبين نفسي: كيف تحوَّلت اللحظات التي كنتُ مُستغرِقًا بالتفكير بها بالأزمان إلى حاضر وماضٍ بهذه السرعة؟ كيف تحرَّك الزمن والأشياء والأمكنة والأكوان كلها مِن حولي وأنا ثابِت في مكاني تحت الظل أرقب المخلوقات الثلاثة؟ أحسستُ بضآلتي إلى حدِّ التلاشي، فهناك وهناك، وهنا وفي الاتجاه هذا والاتجاه ذاك، وبين النجوم والكواكِب والأقمار والشموس، وبين زلزال يَحدث هنا وبركان يَحدث هناك، تتغيَّر معالم الوجود، منها ما يَنطمِس ويَندثِر ويَختفي، ومنها ما يظهر لأول مرة فوق الأرض وتحت ضياء الشمس، حتى الموت والتلاشي والدخول في العدم، يَحدث بين أطياف الأكوان فتتبدَّل الجغرافيا وتختلف الظلمات والأنوار، كل هذا حدَث قبل الانتهاء مِن هذه الفقرة وسيَستمر في الحدوث في اللحظات التي تليها، وأنا - الإنسان - ما زلت تحت الظل أرقب مخلوقات لم تكن قبل أيام وأعوام إلا في جيب الغيب، فأصبحَتْ وجودًا بِيَدِ الحاضر والمستقبل، وستكون عدمًا يومًا ما، إلى أن يشاء الله - جل في علاه - فيَبعث مَن يَشاء وقت ما شاء.

الأفعى ما زالت تَرقبني بعَينين ضاريتَين متجمِّرتَين، لكنها بحاسة الشمِّ المسانِدة للرؤيا أدركت حَجمي، فاستشاطَت غضبًا فوق غضب؛ لأنها لم تجد فيَّ الفريسة التي يُمكن ابتلاعُها، أما السلحفاة فإنها وبحاسة مُلتهِبة أدركَتْ أنها يجب أن تشقَّ طريقها نحو الظل بسرعة تكاد تُسابِق سرعة الضوء، لكنها ولأنها مذ ولدتْ تَسير على نهج البطْء فإنها تظنُّ بأنها حين تدفَع نفسها للأمام بأنها قد قطعَت مسافات لا يُمكن لمخلوق آخَر أن يقطعها بنفس سرعتها، أما العقرب فقد اشتدَّت دمامته واحتشَد قُبحه، وكانت الشمس المُنصبَّة مِن الأفق كشلاَّل بُركانٍ منصهِر تلوِّح الجميع وتستفزُّ قدراتهم وتطلعاتهم دون أن يكون لها أيُّ همٍّ مِن هموم المستقبل.

أسهل خُطوة ضربة خاطِفة بحجر الصوان على العقرب، فأكون قد انتهَيت مِن أول خطر مُحدِق، الخطوة الثانية حمل صخرة مِن الصوان وإنزالها على جسد الأفعى لتطحَن جسدها وتُصبح غير قادِرة على الحركة بشكل سَريع، ومِن ثَمَّ التلذُّذ بطحْن رأسها الحاوي لأنياب الموت الزعاف، وربما أتركها أَسيرة جراحِها كي يتقدَّم النمل باندِفاع الجيوش المُقاتِلة المُغيرة، ليَنتشِر فوقها ويُفتِّتها إلى قِطَع لا تُرى بعَين مجرَّدة، ليكون عجز التلوِّي والتلولُب والالتواء أظهر صِفاتها وأوضح صوَر قَهرِها واندفاعها نحو غيظ لا يُمكن التخلُّص منه، إلا بإنهاء النمل الصغير لمهمَّته في الشرَه والشبَع والتُّخمَة، وبعد الانتهاء حَمْل السلحفاة إلى الظل، فأكون قد وفَّرتُ عليها جهد سنوات ضوئية.

كل هذا يدور بخاطري، دوران الثقة والحزم والإمعان في التقيُّد بالخطوة القادمة التي لا مفرَّ منها، بل هو الواجب الذي عليَّ التحرُّك مِن أجل تنفيذه بالحاسة التي لا تبحث عن سبب أو تأويل؛ لأنها حاسة الفصل بين الموت والحياة، فأنا أَلوذُ هنا بالظل؛ هربًا مِن فحيح شمس تَكاد تقتلع الإحساس بالحياة ولذتها، أخضَع لوسَنٍ يُداعب أعضائي إلى حدِّ الكسَل والخُمول، وأكثر مِن مرة سقطَت الجُفون فوق العينَين فأغلقتُهما وكادَت تُرسلني إلى قبو النوم؛ لأكون فريسة سهلة لزعاف مِن هنا وزعاف مِن هناك، لحظتئذٍ كنتُ أنتفض وأفرك وجهي بقوة، وأُرسل طاقة بصري كلها تجاه الموت المُحيق مِن هنا وهناك، عندها كنتُ أَشعُر بصِدام متفجِّر بين رغبتي للنهوض وتنفيذ القتل لمصدر الموت، ووسَني الذي يُغريني برقْرَقات الظل بأعماقي وأعضائي، حتى ظننتُ لوهلة بأن الخيار لم يعُدْ ضِمنَ جَسدي وعقلي.

حدَّقتُ بالعقرب من جديد، كانت قد وصلت إلى النقطة الحاسمة التي تَفصل الظلَّ عن لهيب الشمس، لكنها وقفت تتحسَّس أنفاسي وخطوات انفِعالاتي، وكأنها تودُّ قبل حسم أمرها اليقين مِن مكان اللسْعة التي ستَغرِزها بجسدي، وربما لم تكن تفكِّر بذلك أبدًا، بل جُلُّ ما تفكِّر به اقتحام الظل والنوم إلى جانبي لتدخل حالة الوسَن والنوم، لكن، مِن أين يمكنني الثقة بكائن لا ثِقة فيه، الأفعى تحرَّكت، حركتها تُنبئ بوضوح عدم احتمالها للحرارة المنصبَّة على جسدها، وأنها مِن أجل الحصول على الظل، يُمكنها خَوض معركة المصير حتى لو كان النمل وجيوشه المندفِعة نهايتها.