انزواءات الصفحة 7 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

لم أشعُر بالاستِهجان، أو ‘الخضَّة’ أو الدهشة، لم أشعُر بفرح أو جذل أو حبور! كل ما شَعرتُ به أنني وسط شيء لا يُمكن الفرح فيه أو تمني الإقامة بظلاله، بل لم أرَ مِن بين تلك الرؤى كلها سوى الجمود في مرحلة غضَّة طريَّة لم تُسعِفها الأيام بقليل مِن الحِكمة أو التقدير، وكما كان الزمن سيفًا دمشقيًّا يَنحر الأورِدة في الزمن الحاضر الذي انزلقَتُ منه إلى الماضي الذي أتمنَّى، كان الوقت هنا مجموعة مِن السيوف والرماح التي تقطَع الأوداج وتَثقُب الأرواح، وما هي إلا لحظات حتى كنتُ قد ارتفعتُ مِن سريري كسهْمٍ خارق وأنا أصيح برعب غير مَسبوق.

تدافَع أولادي مِن النوم نحو البراد، وحين أسقطتُ المياه بحلقي، شعرت بانطِفاء البحار المُسجرة بأعماقي، نظرتُ حولي بعيون تسيل رعبًا حامِضًا ممضًّا، وجدتُ الأشياء على حالها، تهالكت على السرير كضحية خرَجتْ بعد عناء مِن أنياب التِّمساح.

لأيام طويلة ظللتُ أَسبر اللحظات التي انتقلتُ فيها إلى الماضي، حتى شعرتُ بالتجمُّد المطلَق أمام انتِفاء الحاضر والمستقبَل، لحظات عصيبة مُغرَقة بالعرق الملتهِب، وأيام شديدة مُلتهِبة متَّقدة تتخلَّلها سَحابات مِن دخان مُعتِم أسود وعِملاق، ودِماغ لا يقوى على شيء غير الكُساح والهزيمة، كل هذا نابِع مِن قوة الانزْياح عن واقع الوجود المتَّصل عبر الأزمان المتلاحِقة التي تمدُّ بعضها بالتسلْسُل والتوالُد والطاقة والتجدُّد مِن أجْل اكتِمال بناء اللحظات الراهنة المولودة مِن لحظات الماضي لتشكيل لحظات المستقبل.

الماضي كان جميلاً رائعًا رقراقًا قبل الانزِلاق فيه، قبل العيش فيه مرة ثانية بعد أن عشتُه بطبيعته وعفويته وتكوُّنه، أما الانتقال مِن الحاضر إلى الماضي، فإنه يَكشف لك عن أنياب لم تكن بسبب العيش المتراكِم في نواة اللحظات السابِقة قادِراً على اكتشافه، صحيح أن الأنياب انغرَست كلها في أعماقي بكل ثِقلها بالماضي، لكنها لم تكن بذات القسوة والضغط وعدم الرحمة التي انغرسَت بها يوم انتقالي مِن حاضر أرفضه ومُستقبَل أخشاه.

هي كذبة كُبرى تَتساوى مع الأساطير والخُرافات والأشباح مقولة إن الماضي الذي ذهَب سيكون أكثر روعة وجمالاً لو عاد لنَعيش فيه، كذبة تَكاد ترتقي إلى ما فوق الأساطير والخُرافات، لتشقَّ عن ذاتها وجودًا هلاميًّا لا يُمكن إمساكه أو الوثوق والتوثُّق منه، حتى لو مضغْناه بين أسنانِنا، سيبقى الهلام الذي لا يَملك مِن الطعم سوى الإحساس بهلاميته المقزِّزة المُنفِّرة.
التجمُّد والانغِلاق على زمن واحد أمنية تُراود الكبير والصغير، العالِم والجاهل، المؤمن والفاسِق، لكنها تشترك كلها بضَعفنا كبشر، وكإنسان عاجز عن الوثوق بما يُمكن أن يُصنع أو ما يمكن أن يُصنع المستقبل به.

وهذا هو الأساس لما يدفعنا إلى تصوُّر الماضي على أنه أجمل ما مرَّ بِنا، وهو ما يدفعنا إلى إنكار الحاضر والمستقبل؛ لنلوذ بحِمى الأيام المُنقضيَة التي نَعرف ونَثق تمام الثِّقة بأنها لن تعود، ولو أدركنا للحظة واحدة أنه يُمكن لتلك الأيام العَودة، لبدأنا بتجميل الحاضر، أو الأصح بترتيل أناشيد عن كل يوم يخفيه المستقبل، وكلما مرَّ يوم وتحول المستقبل إلى حاضِر، أمعنَّا أكثر في ترتيل الأناشيد لليوم الذي يُنتظَر أن يتحوَّل إلى مُستقبل.