انزواءات الصفحة 6 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

نتقاسم الحياة مع الموت، فنحن حتى في لحظات الموت الدُّنيوي، نستنهض الرؤى والأحلام في اشتِباك عظيم مع الحياة، كانت الرؤيا واضِحة لامعة ناصِعة، قاطعة وحاسمة، قوتها في ممارسة الفعل لا تصدَّق، وطاقتها في تحقيق ما تعجز الحياة عن تحقيقه عارمة.

رأيت نفسي أخرُج مِن ذاتي ذات يوم، كالأفعى المُتحسِّفة، المبدِّلة جِلدها بجِلد جديد، فهي رغم الألم والعذاب الذي يُرافق تحسُّفها، تبقى تبحث عن النتوءات والالتِواءات مِن أجل إتمام العملية والفوز بطاقة وجود تتناسَب مع مُعطيات حَجمها الجديد، يومَها كنتُ في أحد الوديان المهجورة الموصوفة بالرعب والخوف وبعْث الأشباح والشياطين والمرَدة، موزَّعًا بين الواقع والمستقبل، ممزَّقًا ومحطَّمًا، وفي أعلى قمَّة للجبل الذي يُطوِّق الوادي شاهَدت قبَسًا مِن نار هادئة، تتلوَّى بفعل الريح الخفيفة الموزَّعة بتناغُم سِحري بين الهدوء والضجيج، بين السكون والحرَكة، بين السكينة والرعب والخَوف، لم تكن الدهْشَة تقترِب مِن تكويني، وكأني أملك علاقة بين المكان الذي وجدت نفسي فيه، وبين الأزمان الثلاثة، كنتُ كمَن وقَع بكمين مخدِّر يتسلَّل إلى الجسد ويأخذ دَوره في سرنمته، وفيما أنا ألحظ القبَس المُتمايل، دخلتُ حالة الانسلاخ عن الذات الحاضِرة، رأيتُ نفسي وهي تَخرج مِن أعماقي وتسير نحو حاجِز شديد الشفافية، أدرَكتُ بطريقة غريبة أنه فاصِل زمني رقيق يَفصل الماضي عن الحاضر والمستقبل فصلاً تامًّا، سرَت قشعريرة الفرحَة وتمدَّدت كمَوج رائق بكل كياني، انزلقَت نفسي بطريقة يافِعة إلى الماضي.

انزلقَت ذواتي وكياناتي كلها معها مرةً واحدة، كصَخرة عملاقة سقطَت مِن فوق رأسٍ مدبَّب مُتعالٍ وشاهق، انتظمت أنفاسي وأرواحي وذواتي كلها، فرأيتُني ذاك الطفل الجذل الممرَّغ بالغِبطة والمتلفِّع بالبهجة والضاجَّ بالسرور، بدأت التنقُّل بالماضي الذي كنتُ سابقًا أتمنى العودة إليه، قابَلت طفولتي وشبابي وفُتوَّتي، التقيتُ آثامي وأوزاري وحسناتي وشَهقاتي، اندمجتُ مع كل ممارَسة يَخجل الخجَل منها وأخجل حتى مِن تذكُّرها أو مُرورها على خاطِري، وتفاهمتُ مع كل لحظةِ فخْر واعتزاز أردت أن أراها كتكوين ملازم، ووقفتُ أمام ما كان عليَّ أن أختار، ذات الوقفَة التي وقفتُها سابقًا، وسكنتُ إلى الأغصان والأزهار والورود والتويجاتالتي سكنتُ إليها يوم كانت أحلامي بحجْم قبضة يدي، وانتقلتُ بين المدارس وزملاء الصفوف والمدرِّسين، حتى لحظات الزفاف والجنائز التي شاركتُ فيها كلها جاءت تُناديني وتُغريني بالتعمُّق بها مِن جديد، رأيتُ كل الماضي، بما فيه أغرب ما رأيت، أنني شاهدتُ نفسي وأنا أسقط مِن الرحم إلى الأرض، القابِلة أم هاشم، القِماط الناصع البياض، وانتقلتُ بين أروقة الأيام ودياجير اللحظات رواقًا رواقًا ودَيجورًا خلْف ديجور، حتى إنني شاهدتُ نفسي وأنا أغطُّ بنوم الأيام التي انقضَت مِن عمري كلها، ومرَّت أمامي كل أحلام النوم وأحلام اليقظة السابِقة، لم يبقَ شيء مِن الماضي بأقل جزئيَّة مِن جزئياته، أو ذرة مِن ذراته إلا وكان معي بأعماقي وذواتي وأرواحي كما كان سابقًا.