انزواءات الصفحة 5 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

ما زال الزيتون يَحتفظ بخُضرته الضاجَّة، رغم وقوف الزمن كفاصل بين المكان الذي أنا فيه الآن، وبين المكان الذي فلَّت فوقه رباط السرَّة، وكأن الأزمان الماضية التي تنقضي بكل ما فيها مِن أحاسيس ومَشاعِر، لا تمتُّ بصلة إلى الأزمان التي تَليها، هناك شيء ضائع بين ما كان دائمًا، وما هو كائن، وما سيكون، فرق لا يمكن إدراكه أو ملامَسة تكوينه وصَيرورته، لكنه مُنتصِب كمارد جبَّار وقادِر على إذهال العقول والأحاسيس بما يَصِل لحظات بلحظات، وبما يَفصِل أزمانًا عن أزمان، فصلاً يَكاد أن يُطيح بالعلائق والوشائج التي تربِط الأشياء والمكونات ببعضها.

لماذا نَختار الماضي كي نمجِّده دومًا؟! لستُ أنا مَن يدَّعي ذلك فقط؟! اقرأ تراث العالم أو ما تيسَّر منه، قراءة متأمِّل واعٍ مدقِّق، وابحث عن الألم المخبَّأ بجَوف الأمنيات والتطلُّعات، ماذا ستجد؟! الحَنين والاشتياق والنُّزوع إلى الماضي؟! أليس هذا عجبًا؟! ربما هو عجب العُجاب؟! وربما هو الهُروب من الحاضر إلى جوف الماضي؟! وربما هو الخوف مِن المستقبل المتدرِّع بصدفة سلحافتيَّة تحجب عنا رؤية ما نتمنى ونخاف ونتحسَّب ونتوقَّع؟! لكن الأكيد الذي يَكاد يصل إلى درجة المطلَق الدُّنيوي، أننا نرتدُّ إلى الماضي لكَونه مضى وانتهى؟! أصبح معلومًا وواضحًا ومكشوفًا؟! لا يَحمل أي رهبة أو توقُّع مجلَّل بالتحسُّب والتوقُّع المكلَّل بالمجهول الذي يُربِك أعماقنا وذواتنا؟! والأهم لأنه أصبح مستحيلاً أن يُعاد أو يُستعطَف مِن أجل السكن بأعماقه والتلفُّع بإهابه؟!

آيات العذاب تترى، تتدفَّق، تنسلُّ بأعماقنا الملوعة اللائبة المَصهورة المتمخِّضة كأفعى غريبة التكوين والملمس والسمِّ والأنياب، تفتِك بكل مقوِّماتنا الشعورية فتكًا يَكاد يَمحق الوجود ويُنهي الأكوان، لكن أعماقنا تتأبَّى على الاندِثار والتحلُّل، فتُرسل جيوشًا وأرتالاً مِن مشاعِر مُتدفِّقة كشلالات نَهِمَة وجائعة لتكوين مشاعِر وأحاسيس جديدة، تتناسَل الأفعى وتضع ملايين الملايين مِن الفراخ التي تَكبَر وهي تقتات على ما أنتجت أعماقنا مِن مولودات حديثة، ونحن كوجود مُثقَل بالضعف والاستِسلام والضياع وقلة الحيلة، نرقُب بعيون مُنكسِرة، وبصيرة مثبَّطة معركة الألم والعذاب المحتدمة بين الانفعالات والمشاعِر والأحاسيس، وبين الأفاعي الناهضة بعزم الفناء لتفتيت أحلامِنا وجسور آمالنا وطموحاتنا التي أسكناها يومًا مِن الأيام الماضية قلوب النجوم والشموس والأقمار؟!

والعمر قصيرٌ قصير، والوقت كالسيف المهنَّد الدِّمشْقي المشحوذ، يَقْطَعنا ويُقَطعنا، يَنحر أيامنا مِن وريدها إلى وريدها، نرسم الخُطا مِن ذهول متوالٍ تَقتحمه دهشة مكتظَّة، تَتناوَش طبائعنا وجهودنا في الركض نحو الماضي الذي نلجأ إليه هروبًا مِن واقع متقيِّح منتفِخ، ومِن مستقبل يَفور صديده ويَمور كبِحار مُسجرة، هو الانكسار الحتمي أمام ما نُضيِّع فيه أوقاتنا بين الهروب إلى الهروب، والأيام تَمضي، الواقع يتحوَّل إلى ماضٍ نحن إليه، والمستقبل يتضاءل ويُصبِح عمره محدودًا.