انزواءات الصفحة 4 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

الأفعى لا تَملِك مثل هذه الكرامة، أو حتى ظلاًّ مِن ظلالها، صحيح أنها تَقتحِم النار بسرعة هائلة للفرار من الموت، لكنها إن رأتْ توسُّعًا بالدائرة فإنها تَبقى مُتكوِّمة في الوسط دون حِراك بانتظار انتهاء الحَريق، هي حِكمة، لكنها زائفة؛ لأن حرارة النار المشتعِلة تقترب مِن جلدها، تسلخه، أو تقضمه كقضمات الصقيع، تتلوَّى قليلاً هنا وهناك، تبحث عن مخرَج، لكنها لا تَقتحم النار إلا إذا رأت النار تقتحِمها بشكل حاسم وفاصِل، وحين تمرُّ مِن النار واللهب يَحترق جزءٌ كبير مِن جسدها، يَجعلها بطيئةً وثقيلة الحرَكة، غير قادِرة على الانسِلال والتخفِّي بشكل كافٍ، والأهمُّ أنها تستدعي جيوش النمل مِن بعيد ليَقتحمها مُستعمرًا عزَّتها وكرامتها وقوتها وسطوتها.

ما زلتُ بَين هذا كله، أتمسَّك بالظل ووسَنُ النوم يُغالِبني محاوِلاً إدخالي في لحظات الاستِغراق بالموت المؤقَّت، لكن العقرب والأفعى يتخلَّلان انهِمار الوسَن وغيومه المُثقَلة بالحلم المخبأ في لذة الموت المؤقَّت، تَنهار الأحاسيس المُقتربة والمُداعِبة للرموش والجُفون، تَنهض قوة غامِضة لتَكتسِح الوسَن مِن أعمق أعماق جُذوره، تُبرِز حالة التنُّبه الممزوجة بالخَوف والتربُّص والتيقُّظ، من أعماقي المفتوحة على المدى المتَّسع في العيون، يَخرج الطفل الذي تلقفته ‘أم هاشم’ في غرفة صغيرة في المخيَّم، صارخًا، رافضًا، متمرِّدًا، يَبكي بكاءَ مَن نُزع مِن المأمن ليوضع في أتون الشك والتوتُّر والغليان، داهمَتْه الدنيا مرة واحدة، بضوضائها وحرِّها وقَيظِها وقَسوتها، لمَس ذلك بسرعة لا يُمكن إدراكها أو الإحساس بها، وصَل صوته إلى الساحة المعفَّرة بالتراب والأوحال، لكن الدنيا كانت قد أحكمت إرساء أنيابها وكُلَّاباتها به فَور سقوطه مِن الرحم، لم يكن بالإمكان العودة إلى ذلك الرحم المشبَع بالاتِّساع والآماد والرَّحابة والانفِتاح، لا يُمكن الهروب مِن ضيق الدنيا وصِغَر مساحتها التي لا تتَّسع لإصبَع الطفل الساقط الآن من عوالَم السَّعة المترعة بالسعة إلى عالم الضيق المُترَع بالضيق.

لو كانت الأفعى يَومها هناك، لو كانت العقرب أيضًا، لكان الطفل قد أطلق نداء استغاثة بأحدهما أو كلَيهما، ليُفرغا سُمَّهما في دمائه التي لم تعتدْ بعدُ التعلَّقَ بالبَقاء والحياة والوجود، لكن لم تكن هذه أو تلك، فكان على الطفل أن يقدِّم شهادةً للوجود الذي أُنزِل فيه منذ لحظات، شهادة قاسية مجلَّلة بالتناقُض والتزاوُج والتنافُر والالتِحام، الشهادة كُتبَت بالدماء، الدماء التي غابت عنها الأفعى والعقرب، مرةً واحدة اندفعَت الدماء غزيرة مِدرارة فوَّارة، فلَّت رِباط السرَّة، كانت النهاية تَقترِب، وترك الوجود يتحقَّق، رغبة في العودة إلى ملاذٍ أكثر اتِّساعًا ورحابةً مِن الدنيا وما يَتوالى مِن أكوان وعوالِم في الفضاء وأعماقها وأعماق المحيطات، ابتسم الطفل ابتسامةً عَريضةً تَكاد تَجمع الأكوان بين حدَّيها، وفي لحظة، لم تكن ضمن حسابات الابتسامة والفرحة، انقطَع الأمل وسيطرت الدهشة والحزن، أم هاشم، سمعت صراخ أمي حين رأت الدماء تَنساب مِن جسدي كجدول صغير ناعم طريٍّ، بركَتْ على الأرض بلباسها الأبيض، أمسكَت السرَّة وعقَدتها مِن جديد، توقَّف الجدول عن الجرَيان، وتوقَّف أمل العَودة إلى العوالِم التي كانت تُظلِّلها نسمات الرحم وخفَقات القلب ووَجيب الروح.