انزواءات الصفحة 3 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

السلحفاة تملك درعًا واقيًا وقويًّا، تَستطيع أن تنسلَّ إلى جوفه مُكوِّمة نفسَها على بعضها، لتُصبِح كحجر تمرُّ الأشياء مِن حوله دون أن تُدرك الحياة النابِضة بأعماقه؛ لهذا فهي تَملك مُقوِّمًا ذاتيًّا آليًّا للدفاع عن ذاتها مِن الأفعى والعقرب، أما أنا - الذي أحمل همَّ إنقاذِها وتخليصها من الخطر المتربِّص - فلا أملك أيَّ نوع مِن أنواع الدروع الطبيعية، فلو أدرتُ بصَري هنا أو هناك بلحظة انشِداهٍ أو مُفاجَئة، ربما لا أملك الوقت الكافي للفِرار أو التعامل مع المخلوق الرائع الجمال أو مع المخلوق المُقتحِم للقبح والدَّمامة.

سقَطت الشمس مِن مَكانها، وكأنها نَيزك أفلَت مِن نظامه، أصبَح الكون كله مهددًّا بالفناء، الظل والزيتون وأنا والأفعى والسلحفاة والعقرب، لكنها وبلحظَة ناهِضة مِن قوَّة البقاء في الكون توقَّفتْ عن السقوط، أشعَّتها أصبَحتْ خيوطًا مِن نار لاسِعة متوهِّجة مُتمخِّضة، تَصلى الأرض بقوة مُندفِعة بطريقة لا يُمكن تصوُّرها أو احتِمالها، تمامًا كما هي في الصحراء وقت توسُّطها كَبد السماء، تكون قاسية، ملوِّحة، حارِقة، توقِد الرمال وتؤجِّج الصخور، فيَبدو الرمل أينما وجَّهتَ نظرَك جَداول وأنهارًا وغدائر ووُدْيانًا مِن مياه صافيَة كالبلور الجَليدي وسط غَمامة متَّكئة على تيار حَراري صاعد، وحين تُدير النظر هنا وهناك، تَفقِد الشرق والغرب والشمال والجنوب، تتحوَّل إلى عقرَب تَدور على رُقعة مِن المَجهول فوق مَجهول.

فاتِنة ورائعة هي الصحراء، تلمَع كذهب ممتدٍّ إلى ما لا نهاية، تُبهِر النظر وتَقتحِم المشاعِر، تؤصِّل لرعشات مِن الإعجاب الموصول بالخَوف والهَيبة، تمدُّ ذاتها كلما تحركت بشكل دائري، تَختفي المياه التي اقتحمت العين سابقًا، وتَبقى رائحة الحر والقيظ واللهيب والاشتِعال، تتكوَّم المشاعِر وتتكوَّر، يتحرَّك الحُصين بقوته داخِل الدِّماغ لانتِشال الخارطة التي قادَت إلى هنا، لكنه يُصاب بالإرباك وفِقدان التوازُن، تقع الصورة البصرية في روع الدماغ، يَنقلها إلى الحصين، تَرتسِم المسافات التي لا نهاية لها كخارِطة اللحظة الحُبلى بالتِّيه والضَّياع، يتأثَّر الدِّماغ، فيُحرِّك الجسد، يَسيل العرق مِن كل المسامات إمعانًا بتغذية شُعور الدوَران في الفراغ الناقل لوباء الفَناء.

ما زالت الأفعى مكانها، وما زلتُ في الظل، والعقرب بدا وكأنه مَنحوت مِن رمل مُتكدِّر وجافٍ، لكنَّ السلحفاة، كانت قد قطَعت مئات الآلاف مِن أميالها باتجاه الظل، بَقي لها بالنسبة لي خطوات قليلة، أما بالنسبة لها آلاف أخرى مِن أميال تَغلي بحرارة قائظة ناقِمة، كل ما عليَّ الآن كي أكون قادرًا على الاحتِفاظ بالظلِّ أن أقتُل العقرب بضربة مُفاجئة وصاعِقة وحاسمة، لحظتَئذٍ يُمكِنني السيطرة كمَلِك مستبدٍّ وجَشِع وقاتِل على الظل الموسوم برَوعة النَّسمات المداعِبة لمراكز الإحساس بالدماغ.

لو كنت أملك نوعًا مِن النفْط، لاخترتُ طريقة الانتِحار للعقرب، هي طريقة قديمة، مارسناها كثيرًا، مما أدخل في ذمَّتنا أرواح المئات مِن العقارب، كنا نَنتشِر في الجبال والودْيان، نبحث وسط ظهيرة حارِقة عن العَقارب، نَأسِرها ونضعها في قوارير زجاجية كبيرة، ونعود بها إلى الظل؛ حيث النَّشوة والمُتعة والنعاس ولحظات النوم الرائعة، فنصنع دائرة مِن رملٍ دقيق، ونصبُّ النفط فوق الرمل، ثم نأتي بقِطَع مِن الشجر الجافِّ ونضعها فوق الرمل على الدائرة، نَنقعها أيضًا بالنفْط، يَدخل أحدنا وبيدِه قارورة العَقارب، فنُشعِل النار بسُرعة مِن كل أطراف الدائرة، يَقفز صديقنا مِن فوق جدار النار الدائري بعد أن يَكون قد أفرغ العقارب من الزجاج، وتبدأ رحلة غامِضة للعقارب، مُلفَّعة بالخوف والتحسُّب والتوقُّع والضوضاء داخل تكوينها السرِّي، القلق والغضب والحنق تبدأ بالظهور الواضِح على حركاتها، تهرُب بسرعة من هنا إلى هنا، ومِن هناك إلى هناك، ومن هنا إلى هناك، تَصطدم ببعضها، تنكفئ، لكنها وبقوة غريزة البقاء تنهض وتستمر في البحث عن مخرَج، هو الغيظ المعبَّأ بالعجز، ذلك الذي يحرِّك العقارب بحمى قاتِلة للبحث عن مخرَج يَقودها إلى مكان لا تَموت فيه حرقًا، غيظ متَّقِد لو تمكَّن مِن قَطيع ثيران لكفى نِقاط منه لمحْوِ القطيع عن الوجود، دوَران صاخب مُتداخِل مُتشابِك غير محدَّد يَغلي كمِرجَل بركان مُتقلِّب، وحين يَصل الأمر إلى الإنهاك - الاقتراب مِن لحظة الاستِسلام والخوَر والخضوع - تَنفجِر كرامة وعزَّة العقارب، مِن مكمن مجهول بتكوينها رافِعة ذَيلها مُركِّزة سمَّها، وبنظرة أخيرة للظلِّ، للطل، للندى، للاخضِرار المفعَم بأوراق الزيتون، تودِّع الدنيا بضربة قاتِلة مِن سمِّها إلى ذاتها.