انزواءات الصفحة 2 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

وهناك على الجهة اليسرى أفعى طويلة، غاضِبة إلى حد الانفِجار والتشظِّي، ترى الوجود بطريقة فعَّالة للقتْل والتسميم، تدور هنا وهناك، تُنضنِض بلسانها بحُرقة مِن انفِعال مُزدحِم ومكتظٍّ بقلَّة الصبر، تُساند هذا أشعَّة مِن قبَّة متوهِّجة مُتدليَة تَكاد تسمع صوت لهيبها وهو يَخرج من أعماق الأرض وحزمات العُشب المَصليَّة حتى الانهيار، الأرض والأفعى يَشتركان الآن بالفَحيح المتأصِّل بعُمق الغضب والتأزُّم، وكما أوراق الشجر تُرسِل حَفيف الاستِسلام للموت والنهاية، فإن الأفعى تُرسِل حفيفًا ضاريًا وصاخبًا وصل إلى حدِّ القعقعة واللعلعة، تمامًا كدويِّ قصف الرعد المُنبِثق مِن شحنات تُفرِّغ بعضها ببعضِها لجُرح الآماد واستِخراج صهيل الحياة وصداحِها.

نظرتُ للأفعى بعَينٍ غاضِبة حانِقة، وللسلحفاة بعين الشفَقة والحنوِّ، وللزيتون الذي يَنشُر ظلَّه فوق مساحة وجودي بالإجلال والهيبة، للزَّيتون بذاكرتي تفاصيل كَثيرة، كبيرة، مُتشابِهة في ظاهِرها، مُختلفة في جوهرها، حتى أوراقها الداكِنة الخُضرة، كانت تُثيرني بطريقة يَصل الشبَق فيها أعلى مستوى، النخل أيضًا يُثيرني بذات الطريقة، فيهما كنت أرى التزاوج العظيم المبني على المَجهول، وهو يأخُذني كحاكم لتلك النسوة الممتدة في الجبال والسهول، وأحيانًا كخادم مُطيع مُتفانٍ فَخور بانتمائه لمفهوم خدمتهنَّ.

الأفعى يبدو أنها اشتَمت رائحتي المُعتَّقة بالزيتون والجبال والشمس والظل، أدركتْ أن هناك فريسة، والسلحفاة أدركت وجود الأفعى، المَعركة بين الأفعى وبَيني وبين السلحفاة والظل والشمس أصبَحت حتمًا لا يُمكن تُجاوزه أو القفز عنه، هناك سمٌّ يَتلوى، يَتلولَب، يَكاد يَشقُّ الجسد المُمتدَّ كحُقنَة مِن موت متأصِّل ليَنثر غضبَه على كل المُحيط، وسلحفاة مُترعة بالبطء والخَوف ومُحاولة الوصول إلى نقطة النجاة، وأنا أتمسَّك بالظل كتَكوين أرضي منذ ملايين السنين، وفي الوقت ذاته أَملِك نازعًا وحشيًّا بمَخالب حادَّة مَعقوفة صلدة كصخر بُركانيٍّ مِن أجل إنقاذ السلحفاة، تلوَّت الأفعى تلويًّا يُثير الفزع والدهشة في ذات الآن، هذه المخلوقات الرائعة الجمال والرونق والملمَس، تُفجِّر في النفوس شُعور الموت والفَناء، هي التناقُض بمُجمَله وجُلِّه، بين الروعة والجمال يَكمن الموت والفَناء، الرحيل عن الزيتون والظلِّ وكل مُفعلات اللذة والنشوة، لكنها في نفس الوقت تَملك تقنيات عالية في فنِّ القتْل، جمال ساحِر قاتل يُمارس أقسى أنواع الجريمة بطريقة فظَّة مؤلِمة حاسِمة، إلا أنها رغم كل هذا لا تَملك شيئًا مِن كرامة، أو اعتزاز بذاتها وقدرتها وجمالها وفتْكها، بعكس العقرب الذي لا يَبعد عن طرف الظل الذي يلفني إلا قليلاً مِن خطوات سريعة ليَحقنني بسمٍّ غريب التركيب.

لن أتجرأ للادِّعاء بجمال ما هو ليس بجميل؛ فالعقرب رغم امتلاكه القدرة على الانتحار في لحظة حاسِمة، فإنه يَبقى دميمًا قبيحًا مُثيرًا للتقيُّؤ، حتى العين لا تحب أن تراه، أو تبقى على اتصال بوجوده الثقيل التكوين، لكن في الوقت ذاته لا يُمكنني - رغم دمامته وقُبحِه - ألا أجرؤ عن التنبُّه له ومُواصَلة مراقبة حركاته، فأيُّ غَفلة بسيطة تَعني الدخول بدوامة ألمِ السمِّ الناقِل للفناء إلى جسد يتمتَّع بسحْر النسمات العابِرة للظل، النافِضة للجسد بشكل غريزيٍّ يتَّصل بالدماغ المكوِّن لإحساس النشوة المُكتمِل التكوين.