انتظام الرؤية وانهمار الحواس الصفحة 1 من 8

بواسطة:

الرؤية ورواية الرواية:
تؤصل الرواية بأنها التاريخ الابداعي المتخيل، داخل التاريخ الموضوعي المعاصر، لذا اصبحت على اختلاف مستوياتها، وتوجهاتها الدلالية، الوعي الابداعي الكاشف عن جوهر مفارقات هذا التاريخ وتناقضاته، صراعاته، فواجعه والتباساته. سواء في تضاريه الحديثة، او أعماله الباطنية. الرواية بهذا الفهم ابداع يحرك الابداع ويتلمسه، يدغدغه، دون ان يدق عنقه. على هذا الاساس نستطيع تلمس جملة من الرؤى عبر رواية ’ فوضى ’ للكاتب مأمون احمد مصطفى.

منذ البداية وعلى طول صفحاتها القليلة الثقيلة، يبرز التشابك الواضح في هذه الرواية بين بين الوعي الخاطئ والوعي الممكن. بهدف الوصول الى الجمالية الروائية – أي خلق الدهشة – بما لذلك الخلق من قدرة على فعل الفعل. اذ بإمكان الحديث السحري اللوكاتشي (لوكاتش) الذي اعتمده الكاتب دون ان يدري – وحده قفز الحواجز الباشلارية (باشلار) – ومواجهة اشكالية الرؤية، ومعانقة وعي ممكن كما حدده (غولدمان). وهو بهذا يعانق فلسفة التاريخ، كمغامرة انسانية ناضجة لا تسقط لعبة الماضوية، ولكنها تنزع باستمرار نحو افاق مستقبلية الى الزلزال الذي فاجأ الكاتب به المتلقي، كما فوجئ به هو نفسه، بعد ان اعتصر رؤاه تماما. – والذي شكل له نبوءة نصية ( لكني استطيع ان افخر باللاوعي، الذي اقتحم سطور الرواية، وبؤرة ذاتي، ليسجل رغما عني وعن وعيي استبصارا ونبوءة ) ص8. أي مقارعة المسلكية الخانقة، والتقاط الارتواء المعرفي الايجابي بدل الظمأ، عبر صيرورة تنشر عافيتها في كل الاقنية النفسانية وغير النفسية، لكي لا يتحول الكاتب البطل من شخص الى بقايا شخص، دون ان يسعفه جلد الذات الاحتجاجي ( الغرق في النوم من جديد ) ولا الفداء الانتحاري ( القاء نفسه تحت عجلات السيارة ) لربط الحذاء – أي ايقاف سلوك المتنفذ الذي يمارس سطوة وفعلا يتنافى مع الطبيعة السوية للناس، بل ويقرر حتى طريقة موتهم، وكبح انفعالاتهم.

ولتحديد الافق الروائي في رواية ’ فوضى ’ – فنيا – سنجد ان الرؤية على طول مربعاتها تدور حول فكرة محورية – الحذاء – التي تثير منذ البداية زوبعة الدهشة والتساؤل – والتي يوظفها الكاتب للكشف عن معاناة معينة، تندفع في بؤرتها، لتقعد في ظلال رؤى اخرى، فتبرز عقلانيتها لتعانق تلقائية الموقف والحدث، مؤكدة ديمومة الصراع بين الخير والشر| الفعل واللافعل| الحضور والغياب| وهي رؤية فلسفية متقدمة، تستحلب حتمية الانفكاك، بل والانتصار في النهاية، بعد اليأس الذي خنق الناس او كاد.

( دقق في رباط الحذاء، فرآه متهدلا، متسخا، ملوى، بدأت الافكار تهاجمه من كل الاتجاهات، كيف يمكن السيطرة على التهدل، والاتساخ؟ وكيف يمكن التخلص من الالتواء )ص11. حيث كانت، بل وظلت الى عهد قريب، كل محاولات التمدد، والتمرد تنفيسية غير حاسمة، لذلك كانت تبوء بالفشل، امام المقاصل والمخارز، والجوع ( اصاخ السمع جيدا، كان الضراط قد فتح نافذة جديدة لتفريغ الهواء المضغوط، تحسس جسده من جديد، فعرف ان التنفيس قد بدد آماله بالانفجار )ص13.