انسلالات الإذواء الصفحة 6 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

اكتب عنهم وهم يحمِلون خزيهم وعارهم، وجُبنهم وذُلهم؛ ليحرِّفوا كلام الخالق - جلَّ شأنه - ويحوِّروه من أجل حاكم فجَر فأمَرهم بالفجور! ربما لم يأمرهم بل اندَفعوا بكل طاقتهم ليكونوا أعداء لله والتاريخ والدين والحضارة والإنسانية! ولماذا ربما؟! هو لم يأمرهم، حتى لو أمَرَهم! أوَليس من يؤمِن بقدرة الله وقوته وعزته وجلاله وعدْله وأمرِه أقوى مَن أن يخاف موتًا أو يخون تلك المعرفة!

اكتُب! اكتب! اكتُب!

عن النمر الذي افترَس قردة فوضَعت جنينها لحظة الافتراس! لحظة الموت الأخيرة! فارتعَدتْ مكامِن الرحمة والشفَقة في قلب النمر ارتعادًا أنزل الدمع من عينَيه! فحمَل الجنين بين أنيابه برفق الحيوانية إلى مكان قَصيٍّ، وتولَّى رعايته كأبٍ وأمٍّ! إلى الندم الذي وصَل قلب النمر فلم يجرؤ بسبب الرحمة التي تمكَّنت منه أن يأكل جسد الأم الميتة، رُغم جوعه وتمزُّق معدته وأحشائه! عن العنكبوت الذي وقَع الضفدع في شِباكه وحين اقترَب ليلتهِمه عرَف أنه سام لا يصلُح للالتهام، فقام بتقطيع الشبكة من حوله ليكون حرًّا طليقًا! عن الكلاب التي ماتت حُزنًا وكمدًا عند قبور أصحابها! عن الخيول التي بقيت جَوعى حتى خروج الرُّوح وفاء لصاحبها الذي غادَر الحياة! عن الأسد الذي أطلقه صاحبه بعد أن تعهَّده بالرعاية، وعاد بعد سنوات إلى المنطقة التي أطلَقه فيها فأسرَع الأسد إليه يحتَضِنه ويُداعبه ويضُمه إلى جسده ويشَم رائحته! ثم قدِم بزوجته وأولاده؛ ليعرفوا معنى الوفاء والالتزام والعهد والأمانة وحفْظ الجميل!

عن قطيع الثيران الذي هاجَم مجموعة من الأسود؛ من أجل تخليص عجل وقَع بين أنيابها ومخالبها! عن مشهد الفِداء والتضحية والبَسالة والإقدام والإيثار والوفاء الذي قدَّمه قطيع الثيران للإنسان حين واصَل بقوة محمومة وإصرار عظيم تخليصَ العجل وخلَّصه!

عن فرس النهر الذي هاجَم التمساح من أجل جُؤذُر وقع ضحية بين أنيابه! كيف نقَله من الماء إلى اليابسة، وحاوَل بكل ما يَملِك من طاقةٍ إنعاشَه وردَّه إلى الحياة! كيف كان الجؤذر يئنُّ أنينَه الأخير، وفرس النهر يُدخِل رأسه بفمه وهو يشعُر بالنقمة والحسرة على الأنين الموصول بالموت!

عن القِردة الأم التي هاجمَت التمساح، وخلَّصت ابنها من بين أنيابه، وحملتْه إلى مكان عالٍ فوق الصخور وهو جثة هامدة، وظلَّت تتعلَّق بأمل الحياة أن ينهض فيه من جديد!

اكتب! واكتب! واكتب!

ربما يكون هناك مَن يَسمع أنين الحروف وتشظِّيها وخلخلتَها وخَضخضتَها! ربما يخرُج من بين الحروف بريقٌ يقود إلى انعتاق أو تحرُّر أو ثورة! ربما! وربما! أعرف وتعرف! عن ماذا نبحث، أو نحاوِل البحث، عما نودُّ أن نبحث.