انسلالات الإذواء الصفحة 5 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

عن الكفر الذي يفوق كُفْرَ الفراعنة والجاهلية وكل كفر نعرفه أو لا نعرفه! عن مخلوقات مركَّبة مِن العَهر والفِسق والرذيلة والزنا، وهي تُجبر الناس تحت تهديد الموت المشبَّع بالعذاب والألم للسجود لصورة حاكم قاتلٍ مُغتصِب جزار، لا يَعرف عن الدِّين أو الإنسانية شيئًا! عن تلك المخلوقات وهي تحرِق الثوار أمام الشاشات! وهي تدفِن الناس أحياء! وهي تذبَح ببطء شديد الرُّضع والأجنَّة في الأرحام بمُتعَة لا تُضاهيها مُتعة! عن المشرَّدين والمهجَّرين من بيوتهم ووطنهم! عن أهلهم وأحبَّتهم! عن جذورهم وجذور أجدادهم؛ لأنهم رفَضوا السجود إلا لله الواحد القهار! عن الأحلام المدفونة تحت الأنقاض مع جُثث الأطفال والآباء والأمهات!

عن النبَّاحين العوائين النهَّاقين الذين يَجدون مُبرِّرًا للقتل والتدمير والتهجير! عن سَحْنتِهم المَطليَّة بالعار والخزْي والذلِّ والهوان! عن قلوبهم المتيبِّسة الصوانيَّة التي لا تنتفِض لمشهد الأطفال المنزوعةِ أظفارُهم، والمخلوعةِ أجهزتُهم التناسلية! عن الشباب الذين ثُقبوا بالمثاقب رويدًا رويدًا، حتى خرجَت الروح متلوية مُغرَقة بألَم لا يوصَف! عن الرجال الذين يوضَعون في إطار سيارة ويَبقَون تحت هول الكيِّ والسَّلخ أيامًا قبل أن يرحَمهم الموت، ويَعطِف عليهم القبر! عن الرجال والنساء والشباب والشابات والأطفال الذين نُفِخوا وهم أحياء في أقبية السجون والطرُقات، وسُلِخوا وهم أحياء يتنفَّسون الوجع والعجز والكُساح!

عن الهواء المعبَّأ بالحُموضة والمرارة والاشتعال والغاز، ورائحة الجثَث المتفسِّخة المتعفِّنة بكل طريق وكل زقاق! عن الورود والأزهار التي تحوَّلت إلى أنواع لا تقوَى على البقاء بعد أن أصبحَت تَشرب الدماء بدلاً من الماء، وتتغذَّى على فُتات البشر بدلاً من تكوينات الأرض! عن الزيتون والبرتقال والليمون المعتصر الذي لا يُخرِج غير الدماء والأرواح والجروح الراعفة الراجفة، والأرواح الهائمة المشرَّدة، قبل دخولها عدالة القبر وظُلمته، التي تُعتبَر نورًا فيَّاضًا بجانب الهول الذي يحدُث فوق التراب السوري! عن والدك الذي كان يدعو ويُشدِّد بأن هذا الزمان باطنُ الأرض خير من ظاهرها! عن أجيال آمنت بهذه المقولة، وسارت نحوها وهي محمَّلة بكل الانكسارات والهزائم والضجيج والصَّخب المتكوِّن بزمنهم وزمننا! عن الرمان والكرز الذي أصبح ينقُط دمًا ويَسيل عذابًا! عن النمور والأسود والفهود والضِّباع والثعالب والذئاب التي اختطَف ما تراه ذهولَها ودهشتها وافتراسها؛ فوقفت مستنكِرةً رافضة أن تَتشابه معهم بأي صفة أو جارحة!

عن رجال قالوا: إنهم يعرفون الله - جل شأنه - فارتادوا المساجد والجوامع وحلَقات العِلم والدعوة، وفي طرفة عين تحوَّلوا من صفِّ المظلوم إلى صفِّ الفرعون الذي فاق الفراعنة وقوم لوط وعادًا وثمود!