انسلالات الإذواء الصفحة 4 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

اكتُب! واكتب! واكتب!

واغضَب! واغضب! واغضَب!

وإلا فما الفَرق بين الإنسان والحيوان؟! وما الفرق بين من يُدرِك ومن لا يدرك؟! وبين مَن طُبِع على قلبه ومَن لم يُطبَع على قلبه؟! وما الفرق بين مَن مَثلُهم ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الجمعة: 5]، ومَن تمثَّل القرآن فتمثَّلته الحضارات والأمم والتاريخ؛ كعمر بن الخطاب والصدِّيق وعثمان وعلي وبلال وسَلمان - رضي الله عنهم وأرضاهم؟!

اغضَب؛ لأن أمتنا لم تُنجِب منذ فترة طويلة مَن يَصرخ ليقول لامرأةِ وامعتصماه: لبيكِ وألف لبيكِ! لبيكِ قولاً وعملاً! جيشًا وقادة! اغضب على أمة ترضى بالذل والخنوع، والاستسلام والجوع، والفقر والفاقة، ولا تُفكِّر في البحث عن خليفة حين أمِن العباد قال: ‘انثُروا القمح فوق رؤوس الجبال؛ حتى لا يُقال: جاع طير في بلاد المسلمين’!

اكتب عن الأطفال المشرَّدين بين متاهات الشوارع والأزقَّة والطرقات! وهم يَحمِلون على كواهلهم الصغيرة عَناءَ الفقر والحاجة والقَسوة والانهيار! وعلى ذات الكاهل يحمِلون تقزُّز الناس منهم ومِن تَكوينِهم وأفعالِهم! عن أطفال يَتزاوَجون في الشوارِع دون زواج! فيُنتجون جيلاً جديدًا من التشرُّد والضَّياع واللاوجود، والانخلاع مِن الانتِماء والتواصُل والتعانُق مع الحياة والفرح والحُبور! عن أطفال تَذوي أجسادهم جوعًا وقهرًا وألمًا وضياعًا وتشرُّدًا! وعن أطفال يتكرَّشون تُخمة وبَطَرًا ومُغالاةً تتجاوَز ما فوق الإشباع درجاتٍ ودرجات! عن وطن لا يَبحث عن أطفال كانوا يومًا في حُلم السواقي والتراب والخُصوبة والعَطاء والنماء! عن وطن يُحاسِب أطفالاً تلوَّتْ قلوبهم وأمعاؤهم من جوع مُمسِك بالعقل والفؤاد دون أن يُشفِق أو يفكِّر بالشفَقة على كمِّ الألم والتلاشي والذَّوبان الذي يُمسِك بأحشائهم التي تَقتات على ذاتها! عن أمَّهات في الوطن الممتدِّ من العذاب إلى العذاب وهنَّ يُشاهِدنَ أجساد أطفالهنَّ تلتصِق بالعظام حتى تصل إلى درجة الهَشاشة والنُّثار والاندماج بغُبار الأرض حتى لا يعود هناك فرق بين العظام وبين الرمال! عن أمهات يربِطن أولادهنَّ بالحبال حتى لا يفِرُّوا إلى مجاهل الصَّحارَى من شدة الجوع وبطْش السَّغَب! عن أمهات يُفارِقن الحياة جوعًا وعيونُهنَّ ترصُد اللحظات الأخيرة لوجوه أطفالهن المنزوعين من قدرة المقاومة والبقاء والحياة!

اكتُب! واغضب! وأشعل الحروف بحمَم براكين لا تهدأ ولا تسكُن ولا تبرُد! اكتب، واجعل كل حرف من الحروف فيضانًا مِن غضب موصول بالغضب! ماذا تبقَّى لك غير الكتابة والغضب! غير القهر المحشوِّ بالعجز والقهر! اكتُب! واجعل الكلمات زلازل تَخُض الأرض وترجُّها وتنفُضها! تقلب سافلها عاليَها وعاليَها سافِلها! قوم لوط هنا اليوم! يحلُمون بمجدِهم الغابر! ثمود وعاد ليسوا ذِكرًا مِن ذِكر التاريخ فقط! هم يتربَّعون على عروش مَصايرنا وعزَّتنا ووجودنا! يجدِلون الظُّلمَ ضَفائرَ مِن سَطوات لا يُمكن تحمُّلها أو احتمالها! مَن قال: إن الفراعنة رحَلوا؟! مَن قال بأنهم هناك جُثث محنَّطة في أهرام مصر أو المكسيك أو السودان! هم الآن سادَة العصْر وأسياده! من قُطب الكون إلى قطبِه! مِن أَخمَص القدم إلى قمة الرأس! وتسألني عن ماذا تكتُب؟!

اكتُب عن سوريا! حيث هناك يَقف نيرون وهتلر وكورتيز وموسوليني وشارون وبيغن وستالين ورهبان بورما كأطفال في فنِّ القتْل والسَّفك، والذبح والجَزْر، والجريمة والتفجير، وهدم المساجد والمآذن، وحرْق المصاحف والمدارس والجامعات! عن قوة الوحشية التي ترفُض أكثر الحيوانات افتراسًا أن تصِل إلى هذا الكمِّ مِن المُتعَة والاستِمتاع في سحْق الكرامة والعزة والشرف والفضيلة والإنسانية! اكتب عن الفتيات اللواتي يزهرنَ رحمة وحنانًا، وهن يَقعنَ بأيدي مخلوقات مركَّبة من الانحطاط والقذارة، ليتحولْنَ إلى مُغتصَبات مَقهورات لا تكفي محيطاتُ العالم دموعًا لمواساتهن! عن الأطفال الذين يُذبَحون بالمُدى والسكاكين أمام الأمهات في حلب وحماة ودير الزور ودرعا واللاذقية ودمشق! عن النساء اللواتي يُغتصَبن أمام أولادهنَّ وأزواجِهنَّ وإخوتهنَّ وأهلهنَّ! عن الطائرات التي تهدِم البيوت وتحرِق الغابات وتَغتال الحيوانات! عن مَجازِر كل شبر في الوطن السوري! عن المجازر اليومية التي تمارَس أمام آلات التصوير ليراها العالم بوقاحة وصَلافة لا تُضاهيها وقاحةٌ أو صلافة!