انسلالات الإذواء الصفحة 3 من 6

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

عن رائحة النور التي خرجَت منذ ميلاده - صلى الله عليه وسلم - لتَنتشِر في أعماق القلوب، وتتمكَّن من الأفئدة، وتسكُن الأرواح! عن لون الرائحة التي ما زالت الأرض والسموات تراها وهي تَشُق آفاق الأكوان والضياء والأنوار، لتصِل إلى الحيتان والدلافين والقرش والمرجان والإسفنج والغابات الموغِلة بالتدغُّل في أعماق ثُلثَي الأرض!

عن روعة السَّكينة التي تقتحِم الأعماق حين نصلِّي ونسلِّم عليه في كل صلاة، وكل آذان، وكل دعوة، وكل خَلجة من خلجات أجسادنا ونفوسنا وعقولنا وقلوبنا وأدمغتنا وإنسانيتنا وآدميتنا!
عن عوالق هذا الزمن وطُفيلياتِه! عن انحِراف الإنسانية أو بالأحرى عن انتِفاء الإنسانية من الشكل والإهاب الذي يَرتديه مَن وصَل إلى اعتبار حرية التعبير نوعًا مِن قذْف الحق والحقيقة بالكذِب والتدليس والحقد والضغينة! عن النقمة التي تسكُن مثل أولئك الذين حاوَلوا وما زالوا يُحاوِلون إطفاء نور الله بأفواههم، دون أن يُدرِكوا أن مَن قبلهم - بقَضِّهم وقضيضهم في فترات التاريخ - حاوَلوا ما يحاولون اليوم! لكن الله أتمَّ نوره وسيَبقى مُتمِّمًا لنوره رغم كل حقد وغضَب وحسد وكيد وضغينة!

اكتُب! واكتب! واكتب!

عن زمن تتغايَر فيه الأصول وتتنافَر الحَقائق! عن زمن مَصقول بأدوات الزَّيْف والخداع والكذب! زمن الجهلاء والمدَّعين والرُّوَيبِضة! عن زمن انفِلات الحق مِن أصابع الأُمَم ليحلَّ محلَّه زمن الغَباء المطبق بالغباء!

عن زمن يخرج الرأس من الجسد! ويقذِف القدرة نحو منابت القنوط واليأس! عن زمن يتحدَّث فيه ممثِّل أو ممثلة - تلتصِق سيقانهم ببعضها أمام الملايين دون أدنى حياء أو خجَل - عن هموم الأمة ومستقبلها! عن ممثِّلة تخلَع ملابسها كاملة أمام الكاميرات، وممثِّل يتفحَّص العُري بعيونٍ تقطُر شهوة وانحِرافًا وشُذوذًا وبهيمية! ثم يخرُجان على الشاشة ليحمَدا الله على ما منَّ عليهما من موهبة وقدرة على مُزاوَلة الرَّذيلة والانحِطاط والانخساف الروحي والخُلُقي! عن ممثِّل مهرِّج، لا يتقِن سوى فن النُّباح والعُواء، ويخرج بعدها لينبِح ويَعوي بأفكار تناقِش مكامن الهزيمة والتخلُّف في المجتمع! عن أمة تسمَع لمِثل هؤلاء! ولا تسمع ممن يدعو إلى العَفاف والطهارة والخُلُق والإبداع والحِشمة! عن أمة ترى في اللحية قضية يُمكن أن تؤثِّر على سير حضارة الأمة! ولا ترى في الولوغ بالعَهر والصَّفاقة والزنا أمام الملايين سوى دعمٍ لخُطى الحضارة والانفتاح!

عن أمة لا يُساوي فيها رأس العالِم أو المفكِّر قدَم لاعب كرة قدم، أو صوت مُطرِب أو مطرِبة يتغنَّجان بشبَقٍ وزفير حيواني! عن أمة لا تَعرف قيمة ‘زكي نجيب محمود’ و’عبدالرحمن بدوي’ و’عباس محمود العقاد’ و’حافظ إبراهيم’ و’محمود سامي البارودي’! وتعرِف عن ممثِّل أمريكي متخصِّص في إهانة العرب والمسلمين والإسلام! عن أمة تُشاهِد في رمضان المبارك مسلسلات تدعو إلى تفكيك الأسرة والتحلُّل من الأخلاق وهجر الفضيلة، ولا تُعطي من وقتها قليلاً لمعرفة الجوع والسَّغَب الذي يعيشه أهل الصومال وبنجلادش واليمن وفلسطين والأردن!