النصف الآخر الصفحة 4 من 4

بواسطة: عبد الباقي يوسف

كثيرون يترددون إلى أماكن عامة وحفلات ومناسبات فقد علّهم يصطادوا جسدا ، وغالبا ما تكون الأوصاف مرسومة في مخيلتهم ولايكون الأمر مختلفا بينهم وبين أي مدير مكتب يريد تعيين سكرتيرة يحدد في إعلانه عن أوصافها . إنهم يبحثون في هذه المناسبات عن هذه الأوصاف المرسومة دون غيرها وما أن تقع أنظارهم عليها حتى تراهم لايترددون من عرض الزواج منذ اللقاء الأول ، وترى هذا الشخص يقول لفتاته بأن ماكان مرسوما في مخيلته قد وجده كاملا في هذه اللحظة فما الذي يستوجب التأخير الذي قد يفسد كل هذا المشروع بسبب تدخل دخيل أو حسد حسود أو لؤم لئيم . قالت مهجة وهي تهز رأسها وتنهض لتحضر من المطبخ إبريقا من الشاي : هذا يكون بالنسبة لجانب كبير من النساء أيضا يا مناف ، فالفتاة ترسم كامل ظاهر عريسها في مخيلتها قبل أن ترسم لمحة واحدة من جوهره وتذهب إلى هذه المناسبات مستعرضة مفاتنها الظاهرية بانتظار أن يلمحها ذاك الصياد ويقذف لها صنارته . بدخول مهجة المطبخ استرسل مناف حديثه : الشكل لوحده دون جوهر يستند إليه ويبعث في فضائه النجوم والشمس والقمر والأمطار والفصول يكون باهتا مهما حمل من جمال وفتنة ، ولذلك فإن علاقتك مع الموسيقى غير المرئية هي أقوى من علاقتك باللوحة التشكيلية مهما بدت هذه اللوحة بالغة البهاء لأنها شكل صامت يعجز أن يتحاور معك ويستجيب لحواسك ويتفاعل مع مكنوناتك كما تفعل الموسيقى التي بمقدورها أن تجعلك ترقص وتضحك وتبكي وترقد . كل هذا وأنت تسمع فقط دون أن تراها رأي العين أو تلمسها لمس الجسد ، بيد أن اللوحة التي تراها رأي العين وتلمسها مس الجسد تعجز أن تبدد قلقك وتهدهد روحك لتنام مهما نظرت إليها . نهض حنيف وهو يتمتم : لقد شوقتنا للموسيقى يارجل ، كيف مضى كل ذاك الحديث ونحن لم نستمع إليها ، منذ يومين وصلني كاسيت جديد ، ثم حمل الكاسيت وبدأ يقرأ عناوين المقطوعات : الراعي الوحيد - تكلم عن الحب بنعومة - مشاعر - امرأة في الحب - سأحبك دوما . ودسه في باب المسجل ليخفق قلب الصمت بأنغام بالغة العذوبة وكأن خيوط شفق بدأت تبدد عالما من ظلام . قال مناف : هذه المقطوعات تبقى خالدة يستمع إليها العالم كله ، إنها تتخطى حدود اللغات والتركيبات الاجتماعية وحقب الزمن . رحم الله ذاك الكاتب المجهول القائل : / الموسيقى حكمة عجزت النفس عن إظهارها في الألفاظ المركبة ، فأظهرتها في الأصوات البسيطة ، فلما أدركتها عشقتها ، فاسمعوا من النفس حديثها . الصوت الحسن والنغم الصحيح يجري في الجسم ويسري في العروق ، فيصفو له الدم ، وتنقاد له النفس ، ويرتاح له القلب ، وتهتز له الجوارح ، وتخف الحركات . منافع الصوت الحسن والأنغام الشجية أنها يُـتوصّـل منها إلى نعيم الدنيا والآخرة ، لأن منها ما يبعث الشجاعة ، ويحدث النشاط ، ويؤنس الوحيد ، ويريح التعبان ، ويسلـّـي الكئيب ، ويبسط الأخلاق / . قال مناف : مهما قرأتُ من كتب حديثة ياحنيف فإن نفسي تبقى تواقة إلى تلك الكتب القديمة لأنني أجد فيها كل شيء . ذاك التراث غني وفيه دواء لكل داء وتعيس ذاك الذي لايكون دائم التزود منه . عندما أشعر باضطراب وأن النار اشتعلت في نفسي أتذكر قول المعري : / تخبو النار ولو هجم لهبها على النجوم / فأدرك أنه بعد لحظة سوف يخبو اضطرابي وينتابني الهدوء . برأيي يا حنيف كان التواضع هو الذي يقف خلف كل تلك الحكمة العميقة ، هذا التواضع الذي نفتقده كثيرا الآن . كان الحسن البصري يقول : / إذا خرجت من منزلك فلقيت من هو أسن منك فقل : هذا خير مني ، عبد الله قبلي . وإذا لقيت من هو دونك في السن فقل : هذا خير مني ، عصيت الله قبله . وإذا لقيت من هو مثلك فقل : هذا خير مني ، أعرف من نفسي ما لا أعرف عنه . عندئذ خرجت مهجة من المطبخ حاملة إبريق الشاي فاستأنف زوجها حديثه قائلا : يبدو أن الأمر يأخذ مسارا جديا يامهجة ، أخيرا ظهرت المرأة التي جعلته يفكر جديا بأن يقتدي بي .