النصف الآخر الصفحة 3 من 4

بواسطة: عبد الباقي يوسف

الجزء الثاني وعاد يستمع المقاطع الموسيقية التي أرسلتها وللتو اتنبه إلى المقطوعة المفضلة لديه / أنا لك على طول خليك لي ، خذ مني عين وطل علي ، وخذ الاثنين واسأل في / . أعاد سماع المقطوعة التي خففت عنه وراحت أصابعه تثبت المقطوعة لتكون نغمة رنين الهاتف ، ثم بدأ ينظر في اللوحات ومناظر الزهور التي أرسلتها ، وراحت أصابعه تثبت في الشاشة منظرا لزهرتين متفتحتين على جذع واحد ، وراح صوب المسجلة ، امتدت أصابعه إلى زر لتتناهى مقطوعة / رجل وامرأة / . ثمة طفل يظهر لأول مرة ليقف إلى جواره ويكون لوجوده شديد التأثير لتخفيف حالة الكآبة المستبدة به ، وثمة امرأة تعين ذاك الطفل على هذه المهمة وينجحا في تقديم حالة من النشوة والاستقرار النفسي إليه . أحس بحاجة شديدة للإسترخاء في غرفة النوم ، ولم يلبث أن سار نحو الغرفة الغارقة في الهدوء . استرخت كل مفاصله وتسربت إلى وحشة روحه نشوة عارمة مع هبوب اللحن ، أشعل ضوءا خافتا واستلقى على ظهره في السرير ، امتدت أنامله إلى المخدة وضمتها إلى حضنه ، أحس للحظات بأنه أهدأ مخلوق في العالم ولم يسبق له أن تذوق حالة الهدوء الساكنة هذه بعد أن كان مضطربا منذ ساعة لايدري أين يتجه ، وبدأت حواسه تتفاعل مع الموسيقى والضوء الخافت وحالة الهدوء العامة التي استكانت في محرابها . وفي لحظات أخرى تحولت المخدة إلى أنعم امرأة في العالم فبدأ يداعب شعرها الحريري ، ويلصق خده بخدها الناعم . عندذاك انتهت المقطوعة الموسيقية ،ولايدي لماذا أحس بأنها لن تعود حاملة إليه ذات الهدوء وذات النشوة ، فمد يده إلى الهاتف المحمول وبدأ يكتب لأول مرة إلى ذات المرأة : شـكرا لـك يا سيدتي على كل شيء . نظر في العبارة ، وبدا مترددا من النقر على زر الإرسال . هل تكون هي المرأة التي لبثت طوال عمري أبحث عنها ، هل هي المرأة التي تأتي وتقول : ولكنني أنا مَنْ تبحث عنها ، أنا التي أبحث عنك لتجدني ، أنا هي المرأة القابعة في مخيلتك منذ ثلاثين سنة كالحلم الذي يأبى أن يتحول إلى واقع . بعد نحو نصف ساعة نهض صنع فنجانا من النسكافة وعاد يجلس على الكنبة ، تشجع على إرسال الرسالة وفي لحظات ضغط على زر الإرسال . بعد ذلك أحس بحجم الإرهاق الذي بذله طوال اليوم ، وأدرك للتو بأنه يقظ من السادسة صباحا وهاقد بلغت الساعة الواحدة ليلا ، استلقى جسده الذي بدا عليه الإرهاق للتو في الفراش ، صعد إلى رأسه خدر خفيف لذيذ وغار في نوم عميق . في التاسعة صباحا فتح عينيه وتمطى في السرير ، أشعل المذياع كعادته ليسمع الأخبار الأولى وبعض الأغاني الصباحية واستعراض مواضيع الصحف المحلية . وفي أثناء ذلك نهض بشيء من الحيوية والنشاط ، مارس بعض حركات رياضية سريعة ، أخذ حماما سريعا ثم تناول فنجانا من القهوة وقرر أن يمضي فترة الظهيرة من يوم العطلة هذا في طرقات المدينة وحدائقها سيرا على قدميه ، بخروجه تناهى منبه المحمول ينبهه بوصول رسالة ، تذكر للتو كل تلك الأجواء التي عاشها ليلة البارحة ، وتذكر العبارة التي أرسلها لصاحبة الرسائل ، توقف على عتبة الباب وفتح الرسالة : لتعلم ياسيدي بأنني كنتُ سماء مظلمة فأتت كلماتك حرفا حرفا لتملأ هذه السماء بنجوم مضيئة . وأي شرف عظيم تمنحه لي لتقول لي : ياسيدتي ، بل أنت سيدي وستبقى سيدي يا سيدي . هز رأسه قليلا وأكمل مشواره نحو طرقات المدينة وحدائقها وهو يستمتع بغواية الأصوات الآدمية . المدينة التي تفتح له حضنها وتهدهده ، تتحول إلى جسد كبير وهو يكتشف معالم هذا الجسد ويتذوق جماليته بعذوبة فائقة ، وللتو أدرك سبب كل هذه اللهفة التي تدفع السياح من كل بقاع العالم لزيارة هذه المدينة العريقة والاستمتاع بمعالم جسدها البهي . عند الظهيرة تناول وجبة الغداء بشهية في إحدى تقاطيع الجسد وعاد إلى البيت منتشيا كأنه عاد من رحلة قام بها حول العالم . مضت عشرة أيام دون أن يتلقى أي رسالة من صاحبة الرسائل وهي المرة الأولى التي تتأخر فيها عشرة أيام لترسل شيئا ، راوده شعور بأنه كان اعتاد على رسائلها وحتى وإن لم يكن يرد عليها ، كانت الرسائل تصل بين يومين وثلاثة أيام طوال سنة مضت . نظر في الوردتين المثبتتين في شاشة الهاتف وقال : حنّـت عيناي لقراءة رسالة جديدة منك . تناهت نبراتها : ليستا أكثر من حنين روحي وأصابعي لكتابة هذه الرسالة . أدرك من هذه الإجابة بأنها قامت ما قامت به وعليه أن يقوم بما عليه إن كان راغبا حقا في قراءة رسالة جديدة ، لقد لبثت ترسل سنة كاملة دون أن تتلقى جوابا إلا مرة واحدة ، وما الذي سيحدث فيما لو بادر هو ولو مرة واحدة ، وما الذي سيحدث فيما لو أرسل رسالتين أو حتى عشر رسائل وهي تستمتع بالقراءة فقط دون أن ترد كما كان يفعل ، أليس هذا هو الحب الذي لاحدود له ، أليس هذا هو الحب الذي اعتاد العطاء دون أن ينتظر أي رد ، الحب الذي يعبر عن قوته وعن عظمته بتلقائية الأطفال . في المساء اتصل به مناف وقال : اليوم مهجة مصرة أن نتعشى عندك إن لم تكن مرتبطا بموعد . ياصديقي لقد اشتقنا إلى تلك الأجواء التي تمثل لنا أجمل أيام الخطوبة . رحب بحرارة بهما وببطلتهما الصغيرة أغاريد التي كعادتها تأتي معهما لتنام بعد نصف ساعة من بدء السهرة ، فتقول مهجة : الحق عليك يادكتور لو تزوجت وأنجبت لأغاريد صديقة لتسلتا معا وملأتا علينا البيت بالضجيج ، إنها تشعر بغربة في الجلوس مع الكبار فتفضل النوم . قام بترتيب البيت بعض الشيء واتصل بالمطعم يوصي على عشاء ، ثم أخذ دشا وتهيأ لاستقبال ضيوفه . في التاسعة مساء دخل الضيوف فاستقبلهم وهو يحمل أغاريد قائلا : أهلا ببطلتنا الصغيرة .. مرددا عبارات الترحاب . قال مناف : عبارات الترحاب هذه لاتعفيك ياصديقي من أن أغلبك قبل كل شيء بلعبة شطرنج . قال : حاضر ياصديقي ، أنا جاهز لأن تغلبني ، أنا وحيد وأنت معك أغلى شخصين في العالم ، وكيف لاتكون أقوى مني وتغلبني . مضت نحو ساعة في لعب الشطرنج فجاء طعام العشاء ، أغلقا علبة الشطرنج وجلسوا جميعا لتناول العشاء بينما كانت أغاريد مستغرقة في النوم على الكنبة كعهدهم بها . قال مناف : طعام طيب ياصديقي لكنه لو كان من صنع سيدة البيت لكان أطيب . وعلـّقت مهجة : يبدو أن صديقك لن يتركك إلى أن تقتدي به . فقال : أظن الإقتداء به ليس خطأ كما كنت أظن . قال مناف دهِشــا : أكمل .. أكمل قبل أن تسحب كلامك . قال بهدوء وبشيء من الجدية : أجل ياصديقي يبدو بأنني سأقتدي بك ، وأخذ يتحدث عن صاحبة الرسائل وعن مشاعره المفاجئة نحوها . فقال مناف وبسمة سعادة قد ارتسمت على شفتيه : الزواج وشراكة الحياة بين شخصين علاقة جوهرية أكثر منها علاقة ظاهرية ، تتزاوج ذرات المرأة بذرات الرجل وتتزاوج ذرات الرجل بذرات المرأة فيقبلان أن يكونا زوجين في الظاهر أيضا ويعلنا هذا الزواج فقط ليعلم الآخرون وحتى يمكن لجسديهما أن يعبر ا عن قوة ذاك التزاوج الروحي ، ولكنهما قبل ذلك يكونا قد تزوجا حتى لو لم ير أحدهما الآخر قط . وعلى قدر ما يكون ذاك التزاوج الروحي قويا فإنه يبث القوة ذاتها في تلاحم الجسدين ، فالعينان تأكلان العينين نظرا ، واليدان تأكلان اليدين مصافحة ، والفم يأكل الفم قبلات ، والجسد يأكل الجسد التحاما في حالة تبلغ ذروة في الشوق والدموع وانفجار عبارات الحب السحرية التي لاتحضر إلا في لحظات روحية متقدمة كهذه من عناق الذكورة والأنوثة واكتمال أحدهما بالآخر ، وعلى قدر ما يكون واهنا فإنه يبعث البرودالروحي والجسدي فيهما فيكون الجسد باردا في احتضان الجسد حتى في حالة ميتة من أي ذرة إثارة وإن كان الجسد مستلقيا في حضن الجسد منذ دهر . فترى زوجين ينامان كل ليلة على السرير الزوجي ولهما أطفال بيد أنهما غير متزوجين ولم يتذوقا لحظة من لحظات الزواج . في مسألة الزواج عليك أن تعتمد بشكل أولي على حواسك وقلبك وعقلك أكثر مما تعتمد على أي اعتبار آخر أو أي شخص مهما كان مقربا منك لأنه ليس من مقرب منك أكثر منك . لاأراني كثير الثقة يا حنيف بالذي يقول بأنه سوف يتزوج بامرأة لايحبها وأن هذا الحب سوف يأتي بعد الزواج ، إنه تكهن في غير محله بالغيب ، وكيف يعقد أملا خطيرا كهذا على التكهن ، هذه العلاقة تكون قد انبنت على أساس ظاهري فحسب دون أن يدرك أحدهما كينونة الآخر ، دون أن يرى أحدهما الجانب الآخر في الآخر . ابتسمت مهجة وهي تنبهه بأن الحديث أصبح مباشرا عن مدثر وميس ، فقال حنيف : وما هي المشكلة إذا تعلمنا من أخطاء وعثرات بعضنا البعض ، على الأقل نحن الأصدقاء . فأردف مناف : هؤلاء الأخوة يبدو بأنهم يواسون أنفسهم في بداية الأمر ، ولكنهم فيما بعد يكتشفون بأن هذه المواساة تطول بهم حتى تستغرق أعمارهم بأكملها ، ويكتشف كل جسد بأن الضجر كله يقطن الجسد الآخر حتى لينفر منه كل النفر . أعرف شخصا من أقربائي يقول لي بأنه أحيانا يخرج من البيت صباحا قبل أن تستفيق زوجته ولايعود إلا وهي نائمة آخر الليل فقط حتى لايستمع صوتها أو يقع نظره عليها ، ولكنه مضطر للعيش معها بسبب الأولاد ، لقد حوّل هذا القريب حياته إلى جحيم وبيته إلى ماهو أضيق من زنزانة على روحه ، أجل أحيانا يتحدث ويبكي من حرقة الألم ، ولكنه هو الذي كان قد اختار هذه الزوجة بمحض إرادته وكان يعلم بأنه لايحبها على أمل أنه فيما بعد سوف يجد المرأة التي يحبها فيتزوجها ، كان قد اختار من شريكة حياته ظاهرها فحسب ، وهي اختارت منه ظاهره فحسب فوقع الظاهر في أسر الظاهر . ولكن المشكلة أنه حتى في بحثه عن المرأة الأخرى كذلك لايبحث عن امرأة يحبها ، بل عن امرأة ، أي امرأة يمكن لها أن تخفف عنه ضجر المرأة الأولى علّه يلمس فيها شيئا من خلاص ، لاأدري إن كان قد وجد هذه المرأة التي تقبل أن تلعب هذا الدور في حياته أم لم يجدها لأنني لم أره منذ نحو خمسة شهور ، وكان حينها - إن لم تخني الذاكرة - يلمح لي بأنه وجد تلك / المخلوقة / التي قبلت أن تقاسم تلك الزوجة رَجلها وتقسّمه معها إلى النصف ، ولكن ينقصه بعض المال حتى تتم هذه القسمة .