النفس النبيلة الصفحة 1 من 1

بواسطة: الشيخ / محمد حسين يعقوب

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

رب يسر وأعن وتمم بخير يا كريم

** النفس النبيلة ** كتبه الشيخ / محمد حسين يعقوبحفظه الله
إخوتاه..

إذا تطلعت بعينك.. وتدبرت بقلبك.. وفكرت بعقلك

فسوف تعجز أن ترى صاحب نفس نبيلة!

نفس لا تهمها الدنيا وزينتها؛ فهي تتطلع للآخرة، نفس غنية سامية ذات خلق رفيع..

فلا يصدنك أخي أنك لا ترى إنساناً نبيلاً !

كن هو وأقم الحجة على الخلق!

كن ذا نفس نبيلة !

فكم من رجل محترم فاضل وقور يصده عن أن يعفي لحيته تصرفات أصحاب اللحى..

وكم من أخت فاضلة طيبة الأصل والعنصر تريد أن تنتقب وتلبس الحجاب الشرعي، ولكن يصدها عن ذلك أن رأت تصرفات بعض المنتقبات - هداهن الله - مشينة..

قال تعالى: {ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} [فاطر: 18] ، وقال عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا عليكم.. إذا اهتديتم} [المائدة: 105]

فما هي النفس النبيلة.

؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

النفس النبيلة نفس غنية:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ’ [البخاري]

نفس ترى النعم بعين التعظيم والامتنان، قال تعالى: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40]

وليست النعم هي المال أو الصحة!!

إنما النعمة أن يحبك الله ويرضى عنك..

أن يصطفيك ويختارك..

أن يصرف عنك الذنوب وينجيك..

أن يدخلك بيته ، ويسجدك له ويسمع ندائك ويقول لك: ’ لبيك عبدي..

دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على حصير قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع وقرظ في ناحية الغرفة، وإذا إهاب معلق فابتدرت عيناي

فقال: ‘ما يبكيك يا ابن الخطاب؟’

فقال: يا نبي الله وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى.. وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار ، وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته وهذه خزانتك

فقال: ‘يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟’

قلت: بلى. [الشيخان، واللفظ لمسلم]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’ من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ’ [الترمذي، وحسنه الألباني]

يقول الحسن البصري: إننا في سعادة لو يعلمها الملوك وأبناء الملوك لجالدونا عليها بالسيوف..

صاحب النفس النبيلة يرى النعم بعين الامتنان، فهو لا يريد شيئاً سوى رضا الله..

ممتن حين يأكل.. حين يشرب.. حين ينام.. وحين يبتلى!!

النفس النبيلة تعطي بغير من، وتتألم بغير أنّ..

قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 262]، وقال سبحانه: {ومن يبخل..الفقراء} [محمد: 38]، تجد صاحب النفس النبيلة كريم، معطاء، ودود، طيب.. وإن لم يكن عنده!

يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إن لم يكن عنده شيء قال للسائل: ابتع عليّ..

فالنبيل لا يشتكي لأحد أبداً مهما نزل به من البلاء؛ فهو يعلم: ’ ما من شيء يصيب المؤمن حتى الشوكة تصيبه إلا كتب الله له بها حسنة وحط عنه بها خطيئة ’ [مسلم]، فإن ضاق رزقه أو أصابته مصيبة أو مرض قال: {إنا لله وإنا إليه راجعون}، فلا يلجأ لأحد أبداً إلا خالقه ومولاه..

النفس النبيلة سمتها التضحية، فنكران الذات أصل أصولها، لا ترى لها فضلاً، ولا توجب على أحد حقاً، فإذا طلبت منه شيئاً لا يتوانى عن مساعدتك وإن كان ذلك على حساب نفسه، وهو مع ذلك لا يرى أنه له فضل عليك، وإن كان له حق عند أحد فلا يؤذي ولا يفرض حقه، لا يخاصم ولا يطالب ولا يعاقب ولا يعاتب ولا يجادل..

النفس النبيلة نفس سامية، تتجاوز الحوادث الجزئية، ولا تنفعل لتفاهات الآخرين، تتسم بحسن الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‘ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق’ [أحمد وأبو داود وصححه الألباني]

لا تقف عند كل حادثة، وكل موقف وكل كلمة، ولا تتفرغ للقيل والقال، بل تتنزه عن كل ذلك، فتسامح من ظلمك أو آذاك، وتعفو عمن خانك أو قطعك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‘اعف عمن ظلمك وصل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك وقل الحق ولو على نفسك’. [رواه ابن النجار، صححه الألباني]

النفس النبيلة نفس تتسم بالوفاء تجاه العدو والحبيب!

قال تعالى: {فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 10]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’ أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر ’ [متفق عليه]

وقال صلى الله عليه وسلم: ’ اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة’ [أبو داود والنسائي، وحسنه الألباني]

وقال صلى الله عليه وسلم: ‘المكر والخديعة والخيانة في النار’ [أبوداود في مراسيله، وحسنه الألباني]

حتى لو تعاملت مع كافر !

فالتعامل معه يكون على مقتضى عقد صحيح، والمكر به وخيانته وخديعته حرام..

فكيف لو كان هذا مع مسلم!!

والوفاء بالعهود من سمات الأنفس النبيلة، والغدر والخيانة والنكث من أخلاق أعداء الله الكافرين، وأساس في تعامل اليهود الخائنين، فقد قال رب العالمين في كتابه المبين: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 100].

النفس النبيلة تتسم بالقوة أمام الأحداث والشهوات، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ’ حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ’ [مسلم]

النفس النبيلة نفس تخالف هواها وشهواتها وتتبع الحق، يقول ابن القيم: (فمن الناس من ركبته نفسه فقادته إلى المهالك، ومنهم من ركب نفسه فخطمها وأخذ بلجامها فقادها إلى مكارم الأخلاق)..

النفس النبيلة لذاتها معان، فلا تفرح بسعادة وقتية، ولا تُشترَى بالمال.....

ذبحت الطمع فلا تحمل هماً، أيقنت بأن الله هو الرزاق الكريم، فألقت عن عاتقها حمل هم رزق غد أو بعد غد، لا يفكر صاحبها أو يخطط أو يدبر للمستقبل، فطول الأمل هو الذي يجلب الطمع، والطمع يجلب هم الجمع.. جمع الدنيا..

وحيث أيقن صاحب النفس النبيلة بذلك فهو لا يحقد على أحد، ولا يحسد أحداً، ولا يبغي على أحد، ولا يريد شيئاً من أحد؛

راض .. قانع .. شاكر

فأجمل شقة في الدنيا : شقته، وإن ضاقت..

وأجمل امرأة في الدنيا : زوجه، وإن دمت..

وأسرع وأسهل سيارة في الدنيا : سيارته وإن تعطلت..

راض .. سعيد .. قرير العين ..

والطمع من صفات الكلب!! ، قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176]

النفس النبيلة نفس عفيفة، لا تنظر إلى ما في أيدي الناس، لا تجد صاحبها يمد عينيه ويشتهي شيئاً ليس له أبداً، قال تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، وقال سبحانه: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‘قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه’ [مسلم] ..

النفس النبيلة خلقها المروءة..

والمروءة خلق يجمع كل الأخلاق، فتجده صاحب خلق:

أبو بكر رضي الله عنه لم يشرب الخمر في الجاهلية، ولم يكن يعرف أنها حرام!

صفوان بن المعطل لم يزن في الجاهلية، ولم يكن ذلك عندهم حراما!

أبو عاصم النبيل يقول: والله لم أكذب قبل أن أعرف أن الكذب حرام!

الإمام البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت في عمري مرة!

ما اغتاب أبدا !!

ولِم يغتاب؟! وهل يغتاب إلا الحقير الحسود الحقود؟!

والسؤال الآن:

كيف السبيل

إلى الوصول

إلى تلك النفس النبيلة؟!!

أخي وحبيبي في الله، املك نفسك!

للنفس هوى، وهواها في المهالك ، قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النجم: 23]، وقال جل جلاله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 78]، هذا هو هوى النفوس ..

وأول الطريق للقضاء على النفس مخالفة هواك:

إذا قالت لك نفسك: اخرج ! .. فامكث في بيتك.

وإذا قالت لك: كل ! .. فصم.

وإذا قالت لك نفسك: تكلم ! .. فاسكت.

مخالفة نفسك فيه رضا الله.. فإياك وهوى النفس

وليس تنفيذ ذلك بالسهولة التي نتحدث بها، ولكن اصبر واثبت ولك من الله العون والرضا:

• اطلب من الله المدد..

• خالف نفسك..

• أكثر الأعمال الصالحة فإنها تهذيب للنفوس

قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45]

وقال سبحانه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]

وقال جل جلاله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]

وقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، هذه العبادات شرعت للتزكية، أكثر من الصلاة والصدقة والذكر والصيام، أكثر من العبادات تزكو نفسك.

• خذ حظك من العزلة، لا تخالط البشر فالنفوس سراقة، تجد الذي يجالس الفجار تصبح لغته كلغتهم، ومفرداته كمفرداتهم، وتفكيره كتفكيرهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ‘ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه’ [أبوداود وصححه الألباني] ..

وقد قلت كثيراً: إن أقسى ما ابتلي به المسلمون في هذه الأيام تقليد الكفار!

دعك من ترفهم، واهجر إعلامهم، وتمسك بحبل الله المتين..

إخوتاه..

عليكم بالبحث في تفاصيل الأمر..

أخي وحبيبي في الله !

لا تقنع بما قلت وينتهي الأمر عند ذلك..

اجلس مع نفسك..

واجعل كلامي يتردد في عقلك ، وفي قلبك ، وأمام عينك..

عش به في حياتك..

هل أنت صاحب نفس نبيلة ؟

أم لا ؟

وإن لم تكن كذلك؟

فما السبيل إلى الوصول إليه؟


www.kl28.com - www.kl28.net - www.kl28.ws