القرآن والأرض المقدسة الصفحة 7 من 7

بواسطة: فاضل بشناق

قصة التيه والأرض المقدسة حكمة متشعبة الجوانب :

أولاً: إن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب وهم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين وهم الذين حرضوا المشركين على عداء المسلمين وحالفوهم وهم الذين قاموا على بث الشبهات والشكوك حول العقيدة الإسلامية وحول القيادة الإسلامية شأنهم اليوم في حملتهم ضد الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم وتؤازرهم في ذلك أمريكيا. وإن سرد قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى جاءت لتوضح للمسلمين أن ماضي اليهود يتجدد ولن يتغير في يوم من الأيام على الرغم من أنهم أصحاب ديانة سماوية لما وقع منهم من نقض متكرر لميثاق الله فانعكس ذلك النقص انحرافاً في سلوكهم وعفناً في أخلاقهم، وباعتبار أن الإسلام آخر دين وأن المسلمين آخر دعاة لنشره كان لابد من إخبار المسلمين بذلك حتى لا تقع الأمة الإسلامية في نفس المزلق الذي وقعت فيه اليهودية من جهة وحتى تكون علاقات المسلمين مع بني إسرائيل قائمة على العلم والدراية والحذر لا كما يحصل اليوم من موالاة لليهود وأعداء الأمة من قبل الزعماء والقادة .
ثانياً: إن الله أراد أن يوضح للأمة الإسلامية حاملة راية الإسلام إلى يوم الدين أن الأمة حين يطول عليها الزمن تقسو قلوبها وتنحرف أجيالها وأن الأمة الإسلامية لا تخرج عن هذه القاعدة، بل سوف تأتي عليها فترات من التفكك والفساد والانحراف وحاضرنا أكبر شاهد تكون بحقيقتها أشبه ما تكون بحال بني إسرائيل فجاءت قصة بني إسرائيل عبرة لنا ولمجددي هذه الدعوة حيث منها نقف على الداء ومنها نستخلص الدواء.
ثالثاً: إذا تجردت النفوس من العقيدة وقست القلوب وتحجرت وسيطر الجبن واندرست كل معاني البذل والعطاء والتضحية تصبح المفاهيم الدينية لا تمثل شيئاً في توجيه السلوك وترميم المبادئ والقيم، بل تصبح الدنيا وزخرفها هي القائد المنظم لحياة مثل هؤلاء الناس الذين ينتهي فيهم المطاف إلى ما انتهى إليه بنو إسرائيل بحيث كتبت عليهم الذلة والمسكنة ومسخوا قردة وخنازير ووصفوا بالفسوق والخسران المبين، وجبلوا على الجبن في مقارعة الخصوم.
رابعاً: إن في قوله تعالى (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) دعوة إلى المفاصلة والحسم والتصميم على الانفصال عن الأهل والعشيرة والقوم بعد النكول ونقض الميثاق رغم كل أواصر القربى والنسب والموطن والتاريخ، فكلها تذوب أمام رابطة العقيدة وميثاق الله المتين، هذه الرابطة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون ومتى انقطعت هذه الرابطة فلا جنس يوحد ولا نسب يجمع ولا قوم يعز ولا لغة تقرب ولا تاريخ يوثق. وهذا ما نراه يطابق واقعنا نحن المسلمين حرمنا العزة رغم امتداد الأمة وكثرتها فأصبح شأننا شأن بني إسرائيل حرموا من الأرض المقدسة وفرض عليهم التيه رغم قربهم منها، ونحن اليوم حرمنا من حريتنا ومن النصر وتحرير القدس الشريف لما ارتددنا عن ديننا وطاشت بنا أهواؤنا وعقولنا ولم نتعظ من قصة بني إسرائيل كما اتعظ أسلافنا، فكانت لهم الغلبة والتمكين رغم قلتهم عندما أعلنوها لرسول الله في غزوة بدر بأنهم لن يقولوا لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم كما قال بنو إسرائيل لنبيهم (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) بل قالوها مدوية (اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون).