القرآن والأرض المقدسة الصفحة 6 من 7

بواسطة: فاضل بشناق

حدود الأرض المقدسة :

أما بخصوص حدود هذه الأرض فإن في ذلك عدة آراء:
أولاً: رأي مجاهد: يقول أنها الطور وما حوله.
ثانياً: رأي ابن عباس والسدي وابن زيد يقول أن أريحا هي الأرض المقدسة.
ثالثاً: رأي الزجاج يقول أنها دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
رابعاً: رأي قتادة: يقول أنها الشام.
خامساً: رأي ابن عساكر ومعاذ بن جبل يقول إنها الأرض الواقعة ما بين العريش طولاً إلى الفرات.

إنه وقبل تحديد رأينا في هذا الموضوع لابد وأن نتناول هذه الآراء بشيء من التحليل والدراسة:

إن أول ما يلفت نظرنا في هذه الآراء التقاؤها حول نقطة مركزية وهي بيت المقدس (فلسطين) فجميع الآراء تتفق حول أن فلسطين جزء رئيس من الأرض المقدسة إن لم يكن قلبها وإن لم تكن فلسطين وحدها هي الأرض المقدسة كما يرى مجاهد وابن عباس.
إن الرأي الأول وكذلك الثاني يضيقان من مفهوم الأرض المقدسة ويحصرانها في بقعة صغيرة أرى أنه ليس فيها من الشروط التي تحقق المفهوم العام للأرض المقدسة إضافة إلى كون هذين الرأيين يستبعدان أن تكون القدس داخلة في مفهوم الأرض المقدسة ولهذا وحسب اعتقادي فإن هذين الرأيين ضعيفين وإن كان الرأي الثاني يستند إلى أن موطن الجبارين كان في أريحا وإن مدخل يوشع بن نون ببني إسرائيل كان من خلالها، لأن هذا الاستناد لا ينفي عن باقي أراضي بيت المقدس صفة القداسة.
إن الرأي الثالث يكاد يلتقي مع الرأي الرابع لولا أنه لا يرى في الأردن عامة ارتباط بالأرض المقدسة بل ببعض منها إضافة إلى دمشق وفلسطين، فيما نرى أن الرأي الرابع قد جمع الآراء السابقة جميعها في تعبيره (الشام) والشام بمفهومها تشمل سوريا ولبنان والأردن وفلسطين. وهذا برأينا ما نراه الأقرب إلى العقل والأدنى من الحقيقة والله أعلم. ولا نستبعد رأي ابن عساكر لأنه كذلك يضم هذه البقاع مضيفاً عليها قسماً من أرض العراق وخاصة وإن في حديث الرسول لمعاذ مذهب كهذا.

أما الرأي الخامس المتمثل برأي ابن عساكر ومعاذ بن جبل فنراه يتفق تماماً مع ما جاء في سفر التكوين حيث أنه لما مر إبراهيم عليه السلام بأرض كنعان ظهر له الرب وقاله (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير الفرات).
إن المتتبع لقصة الأرض المقدسة وبني إسرائيل والتيه يرى أن حقيقة الأرض المقدسة يمكن فهمها من خلال فهم حقيقة الأمر الإلهي على أنه دعوة إلى دخول أرض الخيرات بعد تخليصها ممن فيها من الوثنيين بالقتال. وما دامت هذه الشروط تتجسد روحاً ومضموناً في فلسطين أولاً وما اتصل فيها جغرافياً بلا فاصل وتشابه معها في الظروف والأحوال وبلاد الشام التي تؤلف سوريا ولبنان وفلسطين والأردن لا أخالها تخرج عن مفهوم الأرض المقدسة ولكن فلسطين وما فيها من ميزات وشواهد تاريخية وعقائدية تمثل القلب والعقل لهذه الأرض المباركة. وإذا كانت أريحا مسرحاً لبداية المواجهة فلا يعني ذلك أن الأرض المقدسة محصورة في أريحا وغورها بل إن أريحا جزء من الأرض المباركة.
إن مفهوم الأرض المقدسة أعمق من أن نسعى إلى تحديده جغرافياً وأعظم من أن نحصره بمضمون أو اجتهاد، بل إن الأرض المقدسة مفهوم ذو دلالة عقائدية إيمانية عميقة وعلينا نحن المسلمين أن نرسخ هذا المفهوم بهذا المنحى في عقولنا ونطبعه في قلوبنا ونجعل منه الراية في حروبنا ضد أعداء الله. وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: (يا معاذ، إن الله عز وجل سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات. رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة).