القرآن والأرض المقدسة الصفحة 5 من 7

بواسطة: فاضل بشناق

التيه :

وهناك رأي يرى أن معنى فافرق محمول على الآية (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) بمعنى يقضي، أي أن موسى دعا ربه بأن يقضي الله لهما بالعصمة عن العصيان الذي ابتلى به قومه وهناك من يرى أن الطلب ينصرف أثره في جزاء الآخرة بأن يجعله الله وأخاه في الجنة ولا يجعلهما مع القوم الفاسقين معذبين في النار، ولكن رغم كل هذه اللفتات فإن السؤال الذي تولد هو هل كان موسى وأخوه هارون عليهما السلام مع قومهما في التيه أم لا؟ إن في ذلك آراء عديدة نورد منها:
أولاً: أن موسى وأخاه لم يكونا مع قومهما في التيه اعتماداً على أن التيه عقوبة وأن موسى دعا ربه أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين وأن دعوات الأنبياء مجابة، وأن التيه عقوبة مسرحها مكان التيه، فكيف يعقل أن يتواجد فيها من لم يعص الله، وموسى وهارون كيف لهما أن يعصيها الله وهما نبيان وبالتالي فإن موسى وهارون لم يكونا في مسرح العقوبة، إضافة إلى أن كونهما أنبياء والأنبياء لا يعذبون.
ثانياً: إن موسى وأخاه كانا في التيه مع القوم إلا أن الله تعالى سهل عليهما ذلك العذاب كما سهل النار على إبراهيم.
إن مسألة التيه هذه تقودنا إلى تساؤل وهو هل أن موسى عليه السلام مات في التيه ولم يدخل الأرض المقدسة أم خرج من التيه ودخل الأرض المقدسة؟ إنه حول هذا الأمر انقسم الفقهاء إلى قسمين:
الأول: أن موسى عليه السلام وأخاه هارون عليه السلام ماتا في التيه وأن الذي دخل الأرض المقدسة بعد الأربعين سنة يوشع الذي قاد ذرية القوم وقاتل الجبارين ودخل أريحا. ومن أنصار هذا الرأي ابن عباس وعَمْرو بن ميمون الأودي.
الثاني: يرى أصحاب هذا الرأي أن موسى عليه السلام لم يمت في التيه بل خرج في جيش من ذرية القوم بقيادة يوشع وتم محاربة الجبابرة وفتحت أريحا فأقام فيها موسى عليه السلام ما شاء الله له أن يقيم ثم قبضه الله إليه ولم يعلم أحد موضع قبره حتى الآن، ولعل في ذلك حكمة حتى لا يعبد. وجاء هذا المعنى في الإصحاح (31) أن موسى أوصى يوشع وقال له (تشدد وتشجع لأنك أنت تدخل ببني إسرائيل الأرض التي أقسمت لهم عنها وأنا أكون معك).
إن في قوله تعالى (قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا) رأيان يتفقان في كون الرجلين يخافون الله بإيمانهم ويختلفان في حقيقة الرجلين، فذهب أصحاب الرأي الأول إلى أن هذين الرجلين هما يوشع بن نون وكالب بن يوننا وكلاهما من بني إسرائيل، ويرى أصحاب الرأي الثاني أنهما رجلان من الجبابرة أنعم الله عليهما بالتقوى فأمنا بصدق ما دعا إليه موسى فقاما بإرشاد القوم عن الكيفية التي يدخلون بها الأرض منتصرين. وإنني أستشف من تفسير القرطبي رأياً ثالثاً في ذلك وهو أن هذين الرجلين هما ممن بعثهم موسى للتجسس على سكان الأرض المقدسة الجبابرة فدرسوا أحوالهم ونقبوا عن نقاط ضعفهم فكانت إشارتهم إلى دخول المدينة (أريحا) من ذلك الباب حيث من خلاله تكون الغلبة والنصر، والشيء الذي يؤكد هذا التوجه أن بني إسرائيل ردوا على هذين الرجلين بقولهم نصدقكما ونكذب النقباء العشرة الآخرين أن جزاءكما الرجم بالحجارة وفعلاً أراد بنو إسرائيل رجمهم بالحجارة، ولكن مهما يكن في الأمر فإن الفائدة التي تخدم موضوعنا هي أن الحقيقة التي أراد الرجلان إظهارها هي أن مسألة الدخول مسألة إيمانية تتحقق بمجرد التصديق بما جاء به موسى من خبر وأمر ومسألة الإيمان لا تتحقق إلا بتعليق الأمر بمسألة التوكل على الله، ومتى تعمق الإيمان في القلب نزع الرعب من النفوس وزرعت التضحية وحب الجهاد، وهنا تتحقق نعمة الله في دخول الأرض بالتغلب على القوم الجبارين.
إن حقيقة الأرض المقدسة كما أجمع المفسرون تتمثل في الأرض المطهرة والمباركة لا يصيبها قحط ولا يلحق بأهلها جوع ولا نكبات وآفات، وهي أرض لا يعمر فيها ظالم ولا يدوم فاسد وهي أرض مطهرة من الشرك في أغلب عهودها. وإنني أرى أن مفهوم الأرض المقدسة له ارتباط عقائدي بمفهوم التعظيم والتقديس ويتجلى هذا الربط من خلال مسألة الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى التي مثلتها معجزة الإسراء والمعراج له صلى الله عليه وسلم، فهو ربط تقديس وتعظيم وتشويق لهذه البقعة من الأرض، فهي مقدسة بذاتها أولاً مطهرة بناسها. وما الأمر الإلهي الذي صدر لموسى في دخول هذه الأرض إلا لتنقيتها من الوثنيين وتطهيرها من الشرك والمشركين. وإنني أرى أن هذا الأمر هو بمثابة دعوة لعموم المسلمين لأن يهبوا مدافعين عن هذه الأرض التي دنست بنجاسة اليهود وتحريرها بالجهاد والتضحية والقتال وليس من خلال قرار أو مؤتمر أو مشروع سلام. وإن الذي دفعنا إلى اعتبار أن مسألة القداسة والتقديس صفة حالة بذات الأرض أولاً ثم بناسها ثانياً تاريخ هذه الأرض الذي يشهد بأن ماضيها البعدي وحاضرها الجديد يظهر أن مسألة الطهر تتعلق بالأرض وذاتها أولاً وبناسها ثانياً وهذا ما يجعلها نبقي عليها صفة القداسة والطهر رغم تعاقب أهل الفساد والشرك والوثنية عليها واحتلالهم لها فترة من الزمن لم تنته إلا برحلة كتلك التي كانت مع بني إسرائيل تقوم أساساً في دخولها وتحريرها على مبدأ القوة والقتال. وهذا ما يبرر قداسة هذه الأرض رغم تدنيس يهود التلمود لها وشيء آخر يعزز منحانا هذا هو أن هذه الأرض سوف تكون أرض المحشر والمنشر وهذا دليل على ارتباط هذا المفهوم بالعقيدة الخالصة، وبالتالي فمسألة التقديس والطهر صفة تلازم هذه الأرض تحت كل الظروف والأزمان فهي مقدسة زمن الوثنيين وزمن المسلمين وزمن فساد بني إسرائيل فيها قديماً وحديثاً، وستبقى بعد تحريرها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.