القرآن والأرض المقدسة الصفحة 4 من 7

بواسطة: فاضل بشناق

إن في الأمر إذناً بالدخول وليس إذناً بالتملك إذ ليس كل من دخل أرضاً ملكها وحتى أنه ليس كل من سكن أرضاً ملكها.
العقلية غير الناضجة والسلوك غير السوي يقفان وراء موقفهم وسوء أدبهم مع نبيهم وتجرئهم على الذات الإلهية.
فهمهم عن طبيعة النعم التي أنعم الله بها عليهم واعتبارها عنوان محبة جعلهم يدعون بأنهم أحباء الله وأبناؤه وهذا أمر مردود عليهم لأن نعم الله ضرب من ضروب الابتلاء والامتحان والفتنة، وليست دوماً عنوان الرضا والمحبة. فكما أننا نعتبر المصائب ضرب من ضروب الابتلاء والامتحان والفتنة وليست دوماً عنوان الغضب الإلهي والنقمة فكذلك الأمر بالنسبة للنعم وفي كليهما نحتاج إلى الشكر والصبر ومراجعة النفس ومحاسبتها .
إن كل من قال (إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا) لم يدخل بيت المقدس فعلاً وفي هذا دليل آخر على أن الوجود الفلسطيني استمر ولم ينته أبداً.
إن كلمة (كتب) لا تعني الوعد بل الأمر والفرض إذ لو كان المعنى الوعد لما رفضه من جبلوا على كره التضحية ولما جادلوا نبيهم موسى في الأمر فهم فهموا أنها أمر يحمل معه تكليفات واستحقاقات .
إن من لوازم الدخول إلى الأرض المقدسة التضحية والقتال كما وأن من لوازم تحرير الأرض المقدسة من المفسدين فيها التضحية والقتال كذلك.

إن معاقبتهم بالتيه ووصفهم بالفسوق والخروج عن طريق الحق ينسجم وموقفه الرافض للأمر الإلهي القاضي في لزوم الجهاد والقتال ضد الوثنيين القائمين في فلسطين. ودليلنا على أن التيه يعني الحيرة وعدم الاهتداء فإننا نرى أن فرض التيه عليهم يعني أنهم ظلوا أربعين سنة لا قرار لهم رغم استمرارهم في البحث، فقد ورد أنهم كانوا يدورون في مساحة محدودة فيصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا وكان الله تعالى يحول الأرض في الليل فيصبحون على ما أمسوا عليه والله أعلم حتى امضوا الأربعين سنة بالكمال والتمام .
ومن الحقائق البارزة في هذه الآيات أن بيت المقدس لم تكن خالية من السكان، فالجبابرة والعرب الذين كانوا فيها قبل دخول العبرانيين يشكلون إسقاطاً لادعاء بني إسرائيل القائل بأن فلسطين (بيت المقدس أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وأنهم أول من سكن هذه البلاد وعمّرها.
إن في ذكر الفسوق مرتين في هذه الآيات تنبيه إلى أهمية الجهاد في قضية الإيمان، والنعمة الإيمانية والدنيوية ينبغي أن يقابلها جهاد وتضحية، وأن التخلي عن الجهاد والتضحية كطريق للحفاظ على النعم فسوق يستوجب العقاب. وبنو إسرائيل وهم ينقضون الميثاق والعهد المقطوع عليهم في نصرة أنبيائهم وطاعتهم استحقوا لقب الفسوق وعقوبة الذلة والمسكنة والتيه والتشتيت في الدنيا وألزمهم الله تعالى لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، فقبح الله وجوههم التي مسخ منها الخنازير والقرود وجعلهم عبرة في الوجود.
إن في قوله تعالى (فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) فوائد ودلالات عظيمة تتجلى في أن موسى عليه السلام عندما رأى من قومه ما رأى من العصيان والصدود وعار به يلحقه وأخاه بما لحق القوم من عقاب سواء أكان في الدنيا أم الآخرة.