القرآن والأرض المقدسة الصفحة 2 من 7

بواسطة: فاضل بشناق

موسى عليه السلام يطلب من قومه بأن يجاهدوا في سبيل :

فهذا موسى عليه السلام يطلب من قومه بأن يجاهدوا في سبيل الدخول إلى الأرض المقدسة وأخذها من الوثنيين، ولكنه ولكونه متفهم لحقيقة النفسية اليهودية المجبولة على الجبن يحذرهم من النكوص والارتداد تحت طائلة الحرمان من نعمة الإقامة في هذه الأرض والتمتع بخيراتها وفقاً لدستور الله الذي يقضي بضرورة الجهاد والتضحية لكل من رام النصر على أعدائه وفتح بلادهم وهو نفس السبيل لحماية الأوطان بأغلى الأثمان.
إن ظن موسى بقومه كان في محله حيث أنهم جبنوا عن لقاء أعدائهم وداخلهم الخوف ورفضوا تطبيق وتنفيذ أمر الله واتباع دستوره لنيل النصر بل (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ) طويلي القامة ضخام الجثة أشداء لا قبل لنا بلقائهم (وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ) تستثمر الأرض دون أن نضحي في سبيلها بقطرة دم.
ويحدث سفر العدد عن هذا الأمر بأن بني إسرائيل وقد تذمروا من أمر موسى لهم بدخول الأرض المقدسة فبكوا وتمنوا لو أنهم ماتوا في أرض مصر أو في البرية وطلبوا من موسى الرجوع إلى مصر رغم ما يلاقوه هناك من ظلم واضطهاد وتعذيب وإذلال .
إن هذا الموقف لم يكن يروق لاثنين ممن فهموا طبيعة الأمر الإلهي على أنه فيه صالح بني إسرائيل وخيرهم، فراحوا يفهموا قومهم بأن الله الذي أمركم بالدخول قادر على أن يكثركم في عيون أعدائكم ويتم نعمته عليكم بالنصر والتمكين في الأرض وأن تفويض الأمر لله مقدمة لنصر كبير ونصر الله يحتاج أساساً إلى الأخذ بالأسباب والتضحية بالمال والنفس في سبيل الهدف وأن الله مانح نصره لمن يريده بإطاعة أمره واتباع هداه.
إنه ورغم كل هذه المحاولات إلا أن بني إسرائيل ظلوا على رأيهم بعدم التضحية والدخول وهذا أمر يمكن تفسيره على أنهم ألفوا الذل والمهانة والمسكنة التي طبعهم عليها فرعون وكان قرارهم قاطعاً وصريحاً بأن (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) بما وهبك من خوارق العادات (فَقَاتِلا) هؤلاء القوم الأشداء حتى يخرجوا وعندها ندخل الأرض ونستعمرها.
فما كان من موسى عليه السلام إلا أن (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي) هارون فكلانا طائعان لك مستعدان لتنفيذ أمرك إن أمرتنا بدخول الأرض دخلناها ولم نتردد ولم نبالِ بمن فيها، (فَافْرُقْ) وافصل في الحكم (بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) ولا تعاقبنا بذنوبهم فجاء الرد الإلهي بأن (قال) الله لموسى (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) لن يدخلوها وإنهم سوف (يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ) لا يدركون الطريق الموصل إليها رغم قربهم منها، وفعلاً كان التيه المعروف في سيناء (فَلا تَأْسَ) يا موسى ولا تحزن (عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) لأنهم استحقوا هذا التأديب الإلهي، وهذا الوصف لمن يقدم على عمل محرم ويخرج عن طريق الحق، فكلمة فاسق خير وصف لبني إسرائيل لما لكلمة الفسوق من شمولية.
والفاسقون وصفهم الله بصفات ثلاثة هي:
أولاً: نقض العهد الذي يؤدي إلى اختلال النظام الكوني وعموم الفوضى في جميع الشؤون وانتزاع الثقة بين الناس في جميع معاملاتهم وفقدان التعاون في المحافظة على مرافق الحياة.
ثانياً: قطع ما يجب أن يوصل من روابط المودة والإخاء بين المسلمين تخصيصاً والناس تعميماً وحلول العداء والبغض والكراهية محل الوئام والولاء والتعاضد.
ثالثاً: الإفساد في الأرض بارتكاب المحرمات صغيرها وكبيرها فيعم الخراب والدمار وتسود الفوضى.