القادة السياسيين لحركة حماس في مرمى النار الصفحة 10 من 13

بواسطة: أحمد عبد الفتاح سلامة

يوم الاستشهاد 'طلب الاستشهاد لنفسه، وعمل له، وسعى إليه، لأنه آمن به وهو الذي كان يردد دائمـًا' 'الموت في سبيل الله أسمى أمانينا'. في فجر يوم الإثنين الموافق 22/3/2004م كان موعد الرحيل إلى الجنان التي تمناها دوماً، حيث خصص له العدو الغاشم قمراً صناعياً لمراقبة بيته في الأربع والعشرين ساعة الأخيرة التي قضاها. وجندوا فصيلة من العملاء للاطلاع على عاداته ونوع طعامه وأسماء زواره ومكان نومه وأصناف الأدوية التي يستعين بها للتقوّي على طاعة الله .... وأقاموا غرفة عمليات سرية لاختيار الزمان والمكان بدقة، لكي لا يفشلوا كما فشلوا في أيلول الماضي. وانتقوا طائرة حديثة، شحّموها وجهّزوا صواريخها، واختاروا قوادها.. وزيادة في 'الحرص' و'الحَيطة'، ركب الجنرال شارون تلك الطائرة، ليشاهد بأم عينه كيف سيتمزق جسد الشيخ الجليل.. ولو أن أحداً رأى استعداداتهم وتجهيزاتهم لاعتقد أن جنرالات الكيان الصهيوني يستعدون لاحتلال بلد عربي، تماما كما فعل هتلر حين كان يستعد لاحتلال النمسا. ولم يكن عدوهم غير شيخ مقعد، لا يستطيع أن يحرك يدا أو قدما.. وكان الشيخ فوق عربته المتواضعة، يدفعه أولاده وبعض المجاهدين الذين لا يقلّون عنده معزة عن أولاده، وكان هناك بعض الذين تشاركوا مع الشيخ في صلاة الفجر، من الجيران وأبناء الجيران.. لم يكن يركب عربة مجنزرة أو دبابة، ولم يكن لديه أي متراس يحتمي وراءه، ولا قميصا من الزرد يرد الرصاص. لقد كان يطلب الشهادة والموت في سبيل الله، بعد حياة حافلة بالجهاد لم يستسلم ولم يفرط ولم يتخاذل، بل ظل القائد والمعلم الميداني الذي تعلمت وأخذت عنه أجيال وأجيال، واقتبست من جذوته جذوه، ومن سجاياه سجايا. ولقد ظن الصهاينة أنهم باغتيال الشيخ إنما يقتلون حامل العلم، وبمقتل حامل العلم يتفرق الجيش، وتتبدد حركة المقاومة بددا. لقد استطاعوا اغتيال الشيخ ولكنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا عليه الغياب، فلقد رحل جسدا ليبقى مثلا ورمزا وقدوة، وليصعد دمه ودماء الشهداء الذين ارتقوا معه راحلة الشهادة، إلى العلا.. رحيل الشيخ المجاهد، بل شيخ المجاهدين الفلسطينيين خسارة، سنفتقد برحيله العقل المعنى والروح المضيئ، والقلب المؤمن.. القلب الذي اتسع لاحتضان أبناء الشهداء والأسرى الذين فقدوا المعيل سواء أكان أبا ،أم ابنا، أم شقيقا، فيمسح دموعهم، ويكفكف أحزانهم، ويضعهم على الطريق الذي سار عليه الأعزاء الذين عبّدوا درب الشهادة . سالت الدموع بغزارة من عيون الفلسطينيين حزنا على فراق الشيخ أحمد ياسين زعيم و مؤسس حركة المقاومة الإسلامية 'حماس' .. في حين علت أصوات المساجد مؤبنة هذا الرجل القعيد الذي شهدته ساحاتها خطيبا و داعية و محرضا للناس علي الجهاد و المقاومة . صباح مدينة غزة، لم يكن عاديا هذا الاثنين /22-3-2..3/، السماء تلبدت بدخان أسود انطلق من النيران التي أشعلت في إطارات السيارات، و ضج صمتها أصوات القنابل المحلية الصوت الذي أطلقه الفتية. آلاف الفلسطينيين هرعوا من نومهم غير مصدقين النبأ( نبأ استشهاد شيخ الانتفاضتين (كما كان يطلق عليه أنصار حماس) تجمهروا أمام ثلاجات الشهداء بمستشفى الشفاء بغزة حيث يرقد الشيخ الذي طالما رأوا فيه الأب قبل القائد، و الأخ قبل المقاتل العنيد.. وهناك اختلطت المشاعر، شبان يبكون، و أطفال يهتفون و مجاهدون يتوعدون بالثأر، و شيوخ التزموا الصمت، إلا من دموع قد تحجرت في المقل، حزنا علي الشيخ الذي يعد أحد أهم رموز العمل الوطني الفلسطيني طوال القرن الماضي. وسيشكل دم الشيخ ياسين الطاهر وقودًا جديدًا للمقاومة لا ينضب ولا ينـتهي، ورافعة للشعب الفلسطيني المجاهد وكفاحه الطويل. وسيكون هذا الدم نورًا ونارًا: نورًا ينير الدرب إلى فلسطين.. ونارًا ولعنة على الصهاينة المحتلين.. وسيشكل استشهاد الشيخ ياسين عنوانـًا لمرحلة جديدة في مقاومة العدو الصهيوني، فقد أثبت التاريخ أن المقاومة تستمد من دماء الشهداء روحـًا جديدة. لقد ترجل شيخ الجهاد الفلسطيني المجاهد القائد الشيخ أحمد ياسين.. وهو الذي ما ترجل قط ولا استراح ولا استكان طوال حياته. لقد ارتبط اسمه دومـًا بفلسطين... القضية والشعب والمقدسات والأرض، وأعطى القضية الفلسطينية شبابه وعمره وحياته. كانت حياته من أجل فلسطين.. ومن أجل القدس.. ومن أجل الأقصى.