الموت في لندن  وأبستمولوجيا المكان  الصفحة 5 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

• 2- البعد الأمومي: يبرز البعد الامومي هنا في حميمية المكان، الذي يؤكد أن أزمة الكاتب هنا أزمة مكانية، فرغم تركيز الكاتب على الشخصية المهاجرة دوما، إلا أن مفردات النصوص وصور حالات أبطالها، تحول في غالبها بيننا وبين الشعور بان هناك غربة تباعد بين البطل ووطنه، بل إن هناك مناطق افتراق بينه وبين المكان، ذلك أن الحدث النصي يتشكل فيها بين جملة من الاستنطاقات للمكان والذاكرة معا كما في قصص ' أفعى من نوع آخر' و ' الموت في لندن '، ( لقد زرعت في رحمها حدثا لا يصنعه إلا الرجال )10، ( ولكني كنت واثقة، نعم واثقة، فانا اعرف بحاستي انك قادم، أنا أم، والأم تعرف كيف تتحرك الأجنة في الرحم )9. • 3- البعد الموقفي ( الوطني الاجتماعي ) ويبرز ذلك بشكل جيد في وصف النصوص لملامح الحياة اليومية في الأرض والوطن، وهنا صورة جلية لعمق الارتباط الوجداني للكاتب، فهو الغائب الحاضر، هو الثابت على الأرض وخميرتها التي تشكل العبر والصمود، وترفض الحياة الدوغماتية المتكلسة والرقمية، ( ودار المفتاح بالقفل باكرا، نودي برقمه )11. • 4- البعد الفلسفي الطقوسي. هنا ملامح كثيرة شكلت جدل الأسئلة، وما تثيره من أمور برزت في قصته ' تيه '، حيث يناقش الكاتب فلسفة التوحد، كعامل ايجابي، وليس كفعل مرضي، ربما ليهرب مما يعانيه كي يعيش عالمه الخاص والمفترض، كذلك حوار الأرواح، لقد وضح الكاتب كيف أن رؤيته لله أنقذته من عذاب المحيط والمزبلة التي يعيش فيها، والتي يشمها ويحس بها، وهنا يبرز التداخل الواضح بين هذا البعد، والبعد النفسي وكأنهما صنوان. ( وجد نفسه يتنسم رائحة ما، وجلده متماسك، غير قابل للتساقط، لكن الرائحة غريبة، لا، ليست غريبة، هي معهودة، ولكن من أين تبعث بأنفاسها؟ وحين وضع رأسه بين كفيه، عرف مصدر الرائحة، فهو يجلس على مزبلة، تفوح رائحتها فتدخل بأعماقه، والديدان تزحف مزهوة على ساعديه وقدميه. لماذا أنا وسط المزبلة؟ أجابته نفسه: لأنك هنا تستطيع أن تشم وتحس).67 وأخيرا: لا يسعنا القول سوى أننا استطعنا أن نتلمس من خلال هذه النصوص الإبداعية، وعبر سبيل بلاغي دون رطانة، الجدار الواقع بين الخاص والعام، وتفعيل مناطق الذاكرة بكثير من الحميمية التي تتواصل عبر إبداع المعنى من خلال إبداع الماضي الحاضر، الغياب الحضور، الفردانية والتوحد لكاتب لم يستطع خداع حواسه، وبهدف ترك المستقبل كفعل ورؤية بين يدي المتلقي. ورغم بعض الهنات التي تمثلت في الصور الوصفية لحالات العذاب اليومي التي يراها البعض أمورا تقليدية، ورغم اللغة الواقعية التي تجاوزتها قوانين الحداثة وتطور علم اللغة، رغم مناسبتها هنا لموضوعاتها المطروحة، إلا أن الكاتب نجح بشكل جيد وموفق في إبقاء الوطن كما هو دائما، الخيط السميك الذي يلملم أشلاء الكتابة والحلم الجميل، فالكلمة الموحية المتشظية، والجمل القصيرة المتدفقة والمتدافعة، عبر استاتيكيا النصوص، ظلت وظل الكاتب عبرها يصفع السخف والانحطاط، والرذيلة، رغم العديد من الانهيارات، وكأنه يرى ما لا يرى، وهو ما يحسب للكاتب بحق. د. خليل حسونة 8-6-2010