الموت في لندن  وأبستمولوجيا المكان  الصفحة 3 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

( وفي عيني كانت آية وهي ترتدي ثوب زفاف ابيض، وحيدة، ليس هناك من يمسك ذراعها، وفي عيني أمها، صورة الدكتور مجدي وهو يتقيأ الدنيا تمسكا بها وخوفا من الموت، والموسيقا تصدح، واثنتان، اثنتان فقط لا تسمعانها، لا تحسان بنغماتها، آية وأمها ). ص62. تبرز قصته ' تيه ' منذ البداية ملامح القتل والترويع المعلق بالخوف الذي ينتابه، والذي يبرره العذاب الإنساني الذي يصفع الصمت اللاذع الذي توسوس به قصته ' ضجيج الصمت '، بما تحمله من إحالات يثقلها الكاتب، يطلقها، ثم يرسلها للمتلقي ليصل إلى فضيلة الموت كقيمة حقيقية تذكره بوجودية ' كولن ولسون ' وأحيانا وجودية ' سارتر' المطلقة. في هذه القصة المتميزة، كراهية للانحطاط اليومي، وهجاء مر للابتذال، وسخط على السلبية والرذيلة، وعطش موغل في رغبته التمسك بالتحقق الإنساني الكامل، هو صوت الرفض من اجل الحقيقي، وصوت الهدم من اجل البناء الصحي، والنفي من اجل الإثبات، ولكي ينتقل الإنسان الحر من خانة المفعول إلى موقع الفاعل الجاد والملتزم ... ( سأذكرك وأنت تبحث هناك عن شيء تأكله، ولن أنساك مطلقا، هل تدري أني سأفكر فيك عندئذ؟ ربما زرعت فوقك شجرة، ستغوص جذورها ممزقة أحشائك، ساحبة كل ما فيك غذاء لها)ص76. ليكتمل هذا المشهد بحالة غرائبية شكلت قفلة الحلم في هذا النص الجميل، مما يدفع باستنطاقات كثيرة متداخلة أبرزها السخرية من كل شيء ... ( يضحك ملء شدقيه، نظرت ليدي فإذا بمعصمي ينزف، هو يضحك ومعصمي ينزف، هو يضحك ومعصمي ينزف ص77.) في قصته ' ضياع ' يتقيأ الكاتب القيم البائدة التي تصدمه، ويصطدم بها، ويواجهها في كل مكان، رغم انه ( يحاول أن يوجد الصلة بين وجوده، وبين هذه الرائحة، لكنه كان دائما يفشل، فالخليط ' القيء ' كما هو متيقن جزء منه، من ذاته، ومكون أساسي داخل تركيبته الصعبة)، انه الرفض المطلق لكل شيء، الرفض الذي يدفعنا للتساؤل فيما إذا ( كان متقزز فعلا حين غيب الخليط في جوف المغسلة، فشل كعادته في الحصول على إجابة، فقط فشل)ص81. خاصة وأنه رأى ( القيء يغطي مساحات الأفق كلها )82، (ويستجمع صورة المدينة وهي تغوص بعجز متناه في جنون عاصفة من القيء، لكنه فشل في ذلك )82. الفرز المبطن هنا نوع من الخلاص، اتخذ شكل التأرجح بين الرمل ولزوجة الماء، هو خلاص، وفي نفس الوقت بحث عما يضفي هذا الخلاص، انه فرار الخلاص إلى الغربة والبعد عن الوطن، الغربة المرادفة للأنين، الألم والوحشة التي تحتضنها أشياء العالم، ولكنها في نفس الوقت شرط العثور على النفي الذي يمنح السكينة والوعي، والذي عالجه جدل الأسئلة: -' فكر في هذا الأمر وسأل ذاته: ما الذي يربطني بهذا الوجود'85. -' تذكر حلمه، وعاد من فوره ليدور في دائرة فراغ، داخل فراغ'. 90 في قصته ' ورم ' ملامح حادة تجتاح المكان بتحفز مفترس، يدقق في تفاصيل التفاصيل، في محالة تلف المسافة بين الغربة والوطن تحت إبطها، لتصفع الاغتراب وحياة الغربة أو رقمية الإنسان، عبر حقن الحفيدة بتفاصيل المكان ( الوطن المكان والمكان الوطن ) ليسترجع التاريخ والتراب رائحته وصحته، لأنها الإيمان الحقيقي الذي يعانق رائحة الوالدين ( رائحة إيمان تتداخل وتشتبك مع رائحة أمي وأبي )103.