الموت في لندن  وأبستمولوجيا المكان  الصفحة 2 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

كما أن الإحساس بالتناغم بين معطيات النصوص في الشكل النهائي بدأ يوهمنا بتشكيل عالم مفقود، هو لدى الكاتب تدليلا مباشرا على إحساسه ذاك الذي راح يكونه أو يعيد تشكيله من خلال بنائه الفني. في قصته المدينة تتوحد المرأة بالمدينة المكان، تلبس ملامحها، لتشكل الجغرافيا المكانية طرفا أصيلا في بنيان العمل. فعالم النصوص ليس مجرد الإطار المكاني للحركة، لكنه احد العوامل الواقعية التي أخذت عالم النصوص إلى العالم العياني. عناصر المكان هنا محدودة بدقة بالغة يحتضنها طوفان من التساؤلات، والنقاط البشرية، وفسيفساء الحياة ' الكرمية طول كرم '. ' استبد جمالها بي، امتلكني، استثار روحي، شهوتي للحياة، دخل طوفان عارم بأعماقي، فأدركت يقينا بان هذه المدينة مزروعة بقلبي وعقلي، وانها حين تتعرى كل صباح لتمتص أشعة الشمس، إنما تتعرى لي، لي أنا، أنا وحدي '. ص28. هنا تتسرب طقوس الحياة من الجغرافيا لتخلل بنيان القصة، فتشكل عمقها الخفي، ( الحياة اليومية المقهى حركة الشارع الحراك الحياتي الرجل الذي تتأسف المدينة لموته )، إنها الممارسات الداخلية التي تمتد من الموت ( الرجل صاحب الكلب ) وحتى الاحتفاء بالتفاصيل الصغيرة للمناسبات الإنسانية، ( فسيفساء الحياة اليومية )، فلا يصبح الإنسان تجريدا أو تهويما أو تعميما، وإنما وجود يتفرس بعمق في التاريخ والجغرافيا دون أن يخضع الأول - في حالة القاص ورؤاه - للثانية. من العسير دفع قصته ' الموت في لندن ' المهداة إلى لينا ، بكلمة واحدة ( رومانسية واقعية ملحمية )، لكن من السهل أن نعترف بمدى الاتساع الهائل للتعبير عنها، وانسحابها على العديد من الأشكال والمستويات البنائية المحتملة، فالصراع النفسي الذي ينتاب أسرة مريض السرطان التائهة في صحراء الذهول التي لا اثر للسراب فيها، حيث غزو الغربة لهم، هي حالة مواطنة معذبة، ووطئ أكثر عذابا، إنها نسيج كياني متضاد، متناقض، ملتو أيضا ( والدقائق ثقيلة، تزحف كسلحفاة هرمة أعياها التعب، وأضناها المرض )ص55، وطن ينتابه العذاب بسبب التناقض الذي يعايشه، ويستقرئه الناس دون رغبة منهم، ( وبدأت بالتردد اليومي على ذلك الطابق، فاكتشفت معنى التناقض، عرفته عن قرب، كان واضحا جليا في الوجوه التي تنتظر نهايتها ) المتناقضة بين النهنهة والدموع، وأحاديث المستقبل والموت. هذا التحليق الحزين للمريض على سرير المرض ينتهي برؤية فادحة بين الوحدة والتوحد من جانب، وبداية العمل عبر نهاية رحلة سابقة للفشل، ونهاية أخرى ممتدة على طول جسد النص من الناحية الأخرى، وكأنها تشي برحلة أخرى نقيضة، شاراتها تحمل وجه الحرية والفرح والبراءة، فيما يضخ الجزء الثاني وجه العزلة والعجز.