المرأة الغجريـــــــــة الصفحة 2 من 3

بواسطة: عبد الباقي يوسف

ما تشتهيه من ثياب وطعام وأموال وخدم ، وكان يخرج في الصباح إلى عمله ويعود ظهراً، يحظّر عليها الخروج من القصر، وذات يوم قصد أن يعود مبكراً خلسة إلى البيت لينظر إلى زوجته في وقت فراغها ، فدخل قصره وتقدم إلى غرفتها ، مدّ رأسه إلى النافذة فرآها وقد علّقتْ كيساً من الخيش على كتفيها ووزعتْ في كل ركن كاسات وصحوناً من السكر والبرغل والرز والشاي وكسرات خبز وقطع نقود معدنية ، وكلما تقترب من ركن تمد يدها قائلة : من مال الله 00 ثم تتناول ماتقع عليه يدها وتفرغه في كيسها وتتجه إلى الركن الآخر حتى يمتلئ الكيس وتتمتم لنفسها : يالها من ذكريات رائعة تفوق سعادتها سعادة كل مالدي في هذا البيت الطويل العريض ، كم أحسد الآن قريباتي اللواتي يطفن في الطرقات ويقرعن البيوت ، يالهن من محظوظات بتلك الحرية الغجرية الثمينة التي أفقدني إياها بعلي . وأقنعتُ زوجي بأنه لا يستطيع أن يمنعني من هذه العادة فصنعنا خيمة خاصة بنا وانفصلنا عن خيمة أهله. ونهضتْ معلنة عن تأخرها وقد مسحتْ يديها بجلبابها : لا أستطيع أن أجلس في البيت ثلاثة أيام متواصلة حتى في الأعياد - وأين تسكنين الآن ؟. قالت وقد حملتْ الكيس : نحن غجر 'رأس العين' نأتي إلى الحسكة مع بداية الصيف نلملم رزقنا ونعود إلى بيوتنا مع بداية فصل الشتاء. وأعلمتني عن موقع خيمتها وترجتني أن أزورها في الوقت الذي أشاء من بعد الظهر. وقالت بأن زوجها يعمل في صناعة الأسنان بشكل متقطع ولديه دراجة نارية نوع / ستار / ذات عجلتين يلاحق عمله بواسطتها. وعند العتبة قلت لها: هل ستأتين كل يوم جمعة لغسل الثياب ؟. قالت: إن أعطيتني ما طلبته أولاً . قلت: سأعطيكِ . خرجت هذه المرأة من البيت ولكنها دخلت مكاناً أقرب ، شعرت براحة هائلة معها وأنها سوف تكون صديقة لي تؤنسني في وحشة غربتي عن أهلي . غابت وتركت بصمات صوتها تشتعل في شجرة الذاكرة، ما يشدني إليها بصورة عجيبة هو تلقائيتهاوطفوليتها وعفويتها وعدم تصنعها الكلام، الصدق الطفولي ، فطرية الإنسان الأولى ، وحتى الصوت يا إلهي وربما اللمسات الغجرية العريقة التي خلفتها في البيت 0 نسيتُ أن أسألها عن اسمها، كيف استطاعت أن تقيم كل هذا الطوفان في فسحة النفس الضيقة، وعددتُ على أصابعي : السبت – الأحد – الاثنين – الثلاثاء – الأربعاء – الخميس – ستة أيام أخرى وفي اليوم السابع ستجيء كاليوم تماماً، كاللحظة ستكون هنا كاللحظة أين هي تلك اللحظة ياه كم تبدو بعيدة.. بعيدة تبدو كالمستحيل الذي لا يتحقق هل ستحل تلك اللحظة،، لحظة الدخول المباغت ، وهل سيحظى سمعي مرة أخرى بتلك الطرقات الغجرية الخافتة ؟!. يوم الجمعة القادم ولحظة الدخول الأولى ، وعلى الفور وقبل أن تضع كيسها المصنوع من الخيش على الكنبة قلت: ما اسمكِ ؟ قالت بابتسامة وهي تنظر إلى وجهي بتلقائيتها المحببة : ولِمَ تريدين أن تعرفي اسمي ؟ قلـت : لأناديك بــــه قالـــــت : قولي لــي : ســما ح ، هذا هو اسمــي قلت: هل تشربين الحليب ؟. أخفضت رأسها بالإيجاب وتمتمت : إنه جيد للمعدة لكن لا يوجد في الخيمة غير الخبز اليابس والشاي صباحاً، هل تشربيه كل صباح ؟ قلت: أنا فقيرة لا شيء لدي في هذه المدينة غير راتبي في التعليم . مدت يدها إلى قطعة جبن وتناولتها مع الرشفة الأخيرة من كأس الحليب ونهضتْ سخنت الماء وأفرغت فيه المسحوق ثم قذفتْ الثياب الداخلية البيضاء في الماء المغلي وبدأت تغسل الثياب الخارجية المتراكمة على الأرض . أشغلتُ التلفزيون واستلقيت على الكنبة أشاهد بعض البرامج . قالت: كم الساعة ؟. قلت: انظري إلى الساعة الكبيرة فوق التلفزيون، نظرت إليها وعادتْ تنظر إليَّ فعرفتُ من نظرتها بأنها لم تعرف، عندئذ قلتُ لها: سماح ما رأيكِ بساعة ؟. قالت: لكنني لا أفهمها. قلت: سأعلمك ِ. وبدأت أشير إلى العقارب.. الساعات.. الدقائق.. الثواني.. وعرفتُ بأنها لا تفقه الأوقات فهي لا تعرف أي ساعة يكون الصباح.. فقسمّتُ لها الساعات على أوقات اليوم ، هذا الفصل ساعات بداية النهار /الصباح/ تبدأ من السادسة وتنتهي عند نهاية العاشرة.. وبعد ذلك يأتي الظهر حتى الرابعة.. ويبدأ العصر.. حتى السابعة.. حيث يبدأ الغروب حتى التاسعة. والآن متى تعودين إلى البيت كالعادة. قالت: بعد أن يؤذن الظهر بقليل . قلت: لنفترض أنك في مكان بعيد عن صوت المؤذن كم الساعة ستعودين ؟. قالت: لا أعرف. وعرفتُ بأنني سأجد صعوبة كبرى في تعليمها ولكن سأفعل شيئاً ، أشعر بأنني أقوم بعمل إنساني ، هي تعينيني، وأنا سأعينها لن أهدر كل عمري من أجلها سأمنحها ساعة واحدة في الأسبوع الساعة التي أكون فيها في البيت يوم العطلة، وبعدها سأعلّمها القراءة إنها ما تزال في بداية العمر 0 وفكرت بأن أكون على حذر شديد في مهمتي وهي تجربة واقعية تعني لي الكثير، إنها لا تعرف شيئاً وسأصنعها ، إنها مثل إحدى طالباتي ، أعلمها كل شيء وسأتابع نتائج عملي وهي مهيأة لاستقبال كل خطواتي في لا شعورها ، طفلة في العشرين لا تعرف العد ولا المعدود لا تعرف الموسيقى لا تجيد القراءة لا تدرك الفن التشكيلي لم تدخل المسرح لا تعرف شيئاً عن تاريخ العالم الحديث ولا القديم لا تعرف ما يجري الآن وما جرى في السابق. وأي طفولة أبعد من هذا..؟ حتى الكلام أحياناً تتعثر ببعضه 0 أخذتْ الثياب المغسولة إلى المغسلة ،، وبعد قليل نشرتها على حبل الغسيل . ولما عادت ، ناولتها مئة ليرة ثم ملأت كيسها بالخضار والفواكه والخبز وتذكرتُ ما بقي من سكر العيد فمددتُ يدي إليه وناولتها : هذه هدية.. قلت لها: يا سماح مارأيك أن تتعلمي القراءة في الزيارات القادمة. - لا أريد أن يكبر عقلي دعه صغيراً. - لماذا ؟. - لأن العقول الكبيرة يجب أن تكون للرجال المرأة عندما يكبر عقلها تتحول إلى رجل دون أن تدري ، وعندما تتحول إلى رجل يرفضها الرجل ، لأنه يريدها امرأة لذلك فأغلبهن لا يتزوجن 0 أعرف الكثيرات منهن وقد بلغن الأربعين أنا تزوجتُ قبل العشرين. أنا لا أعرف شيئاً ولكن لم أترك باباً إلا وطرقته لا يوجد في هذه المدينة من طرق أبواباً بقدري ، خلف كل باب يكمن سر والغجرية الماهرة هي التي تكتشف هذا السر وتتعلم منه حكمة ، إننا لا نأخذ النقود فقط بل نأخذ الأسرار والحكم معها.. أنا أعرف أسرار البيوت أكثر من أصحابها ، وعندما ألمح أي شخص في الطريق أعرف بيته وأعرف طباعه وعمله وحالته الاجتماعية لذلك أنا متعلقة بعملي ولا أتصور بأنني سأتركه وإن حدث وتركته فإنه سيكون اليوم الأخير في حياتي إنني أحب عملي ومتعلقة به أكثر من تعلقي بأي شيء آخر في حياتي 0