المنصف المرزوقي الصفحة 8 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

ما حدث سابقا ما زال يحدث وان اختلفت الصور وتفرعت الاساليب، فلسطين، العراق، افغانستان، صور حاضرة في الذهن، كما كانت صور فيتنام وكوريا واليابان، وكما حدث مع الفكر الشيوعي الذي استأصل الدين وبيوت العبادة وقتل كل من فكر ان يحمل مصحفا او يصلي فرضا لله جل شأنه، وكذلك الصين التي منعت المسلمين تحت سطوة السلاح والقتل والتدمير من التسلل فكريا لقراءة سورة قرآن او نطق شهادة او الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وحتى في ظل العلمانية التي انتجت اتباع لها في الوطن الاسلامي، مثل المنصف الذي يريد منا ان ننظر للتاريخ من كوة يرى منها هو ما يريد وليس ما يدرك، الم تقم فرنسا بمنع الحجاب؟ الم تقم سويسرا بمنع بناء المآذن؟ الم يتهم المسلم بالتخلف والرجعية؟ الم يعرف على انه اس الارهاب وصانعه؟ الم تحرق المصاحف في كل مكان تواجدت فيه العلمانية والديمقراطية؟ الم تهان المصاحف في اكثر الدول الموصوفة بحرية الرأي والعبادة؟ الم يساء الى رسولنا الكريم من قبل اناس تبنت الحكومات مواقفهم ودعمتهم وحمتهم باسم الديمقراطية وحرية الرأي؟
لو اردت الاسترسال في طرح الامثلة المعاصرة، لملأت صفحات وصفحات، لكن اليس هذه هي الحقائق التي كان اولى ان ينظر اليها المنصف بدل ان ينظر الى موسيقى بيتهوفن والبنايات؟ ان قيمة أي فكرة، او أي مبدأ، تنبت من قيمة الانسان واعتقاده، من قدرته على توطيد فكرة العدالة التي تتوافق وتتعانق مع قيمة الانسان ووجوده وهدفه.
الاسلام ادرك ذلك، لذا، فلم يكن هناك متسع من الوقت للنظر في المجتمعات وما هي عليه بصورة تتناقض مع قيمة الانسان، فمنعت العبودية، وحررت المرأة من كونها متاع ورُفعت الى مرتبة لا تستطيع حضارة اخرى عبر التاريخ ان تدعي انها منحت المرأة ما منحها اياه الاسلام، ألغي الوأد، وسُحبت هالات القدسية السيادية من ايدي سادة الصحراء، وانزلوا الى مستوى من كانوا عبيدا عندهم، وتساوى الكل امام ارادة الله، وبقي السباق سباق التقوى الذي يقود الى العدل والرحمة.
اما الدولة الاسلامية التي يتساءل المنصف عنها، فإنها دولة الاسلام التي قامت بالمدينة المنورة، تحت سيادة العقيدة دون ان تتدخل في اعتقادات الناس الذين لم يؤمنوا بالإسلام، ومنحتهم حق العبادة المظللة بحماية الدولة التي يقيمون فيها، وهي ذات الدولة التي قامت بمكة بعد فتحها دون ان تسيل دماء وتستباح اعراض او تقتحم بيوت، وهي ذات الدولة التي كانت في عصر الخلفاء، والتي تحققت فيها عدالة التشريع وحرية العبادات وحقوق المواطنين، وهي ذات الدولة التي توج الامويين فتوحاتهم بالعدل والرحمة، وهي ذات الدولة التي خاض المعتصم فيها حربا من اجل امرأة مسلمة، وهي ذات الدولة التي بنت الحضارة في الاندلس، واكرمت العلماء دون النظر لدينهم او مذهبهم، وهي ذات الدولة التي اعلنت الحداد ثلاثة ايام يوم وفاة العالم اليهودي ابن ميمون.