المنصف المرزوقي الصفحة 7 من 10

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

المنصف المرزوقي، كان بحاجة الى فهم الاصول بقوة الحدث التاريخي، لكنه كغيره، لم يكن معنيا بتقديم حقيقة او حتى تجشم قراءة التاريخ بشكل جيد من اجل ان يقدم لنفسه اولا خدمة عدم الوقوع بجهل لا يقع فيه الا من لا يود فهم التاريخ، او عناء البحث والتفكير. والمثل الحي على ذلك الائمة الاربعة رضوان الله عليهم، فهم شكلوا مذاهب فقهية تم الاختلاف فيها والتوافق، لكنها في النهاية مذاهب فقهية لم تتطرق الى العقائد والثوابت في القرآن والسنة، لكن الشيعة، لم تكن مذهبا فقهيا، وانما حركة سياسية تدخلت في الثوابت التي ارساها القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي ثوابت منع المسلم من الاقتراب اليها او التعديل فيها. وهذا ما يدفعنا الى الظن بان المنصف لم يعرف الفرق اللغوي والدلالي بين كلمة مذهب، بما تحمل الكلمة من فحوى متسع، وبين الحركة السياسية التي تختلف اختلافا عن شكل المذهب الديني وتكوينه.
وما يثير اكثر، ويجعلني افكر الف مرة، ادعاء المنصف المرزوقي بان الغرب منذ تأسيسه العلمانية كفكر يملك من الارث الديني الكثير، وما يثير اكثر انتقاله لاستلال الوجود الديني من معمار الكنائس والكاتدرائيات، ومن موسيقى بيتهوفن وغيرة.
اليس من الغريب ان يتوقف المنصف عند الفن المعماري دون ان يتوقف عن تبيان السلوك الاجتماعي الذي رافق فترات تلك البنايات، وتجاوزا اود فقط ان اقول: بان الحضارات لا ينظر لها من خلال ما قدمت من بنايات وصروح، وان كانت تلك البنايات والصروح تستحق التقدير والاحترام كفن من فنون العمارة العالمية، لكن التاريخ الذي يغلف المجتمعات تلك، هو الفيصل بيني وبينه، المجتمعات الغربية برمتها ودون ادنى استثناء، التي رفضت الحكم الديني المتطرف هناك، لم تنتقل الى حكم اسمى وانقى واصفى من الحكم الذي انقلبت عليه.
لنأخذ المجتمعات الغربية التي اتخذت من العلمانية والديمقراطية مثلا ونبراسا ودليلا، ففرنسا قتلت وسفكت ودمرت في افريقيا والوطن الاسلامي ما لا يعد ولا يحصى من التدمير والخراب، وكذلك ايطاليا، اما المانيا، فإنها لم تدخر وسعا بتعريف الاسود على انه اقل من انسان، وان استعباده خير له من البقاء خارج العبودية، وفرنسا ايدت الفكرة وتبنتها، استراليا، قامت بإبادة السكان الاصليين، وعاملتهم معاملة الشياه والكلاب والحيوانات، وكذلك كندا، اما الاسبان فانهم لم يدخروا وسعا من تدمير حضارات الشعوب الغارقة بالقدم في امريكا الجنوبية، بل وقتلت من تلك الشعوب فوق ما يمكن التصور او التخيل، بريطانيا، لم تترك مكانا تقريبا على الكرة الارضية لم تمارس فيه الذبح والسلخ والقتل والتدمير والابادة والاقصاء، امريكا، الدولة الحديثة التي قتلت وابادت واقتلعت من الجذور الهنود الحمر، وافردت لذلك القتل والدمار في مخزونها التاريخي ملاحم من بطولات مسجلة. ثم حركة العبيد التي اقترنت اقترانا كاملا بعهود الحرية والانصاف والديمقراطية والعلمانية التي مارستها دول اوروبا وامريكا كلها وبدون استثناء، حتى وصل الامر الى اقتلاع مجموعة من الاجيال المتعاقبة من افريقيا ليكونوا متساويين مع الحمير والكلاب في ظل العبودية، ان لم تكن مرتبة الكلاب والحمير افضل منهم، نحن نتحدث عن شعوب كاملة تم اختطافها من ارضها، من تاريخها، من عاداتها وتقاليدها، من توادها الاجتماعي والعاطفي والاسري، من كل ما يمت للإنسانية بصلة.