الملحد ووهم أزلية المادة والكون الصفحة 2 من 4

بواسطة: د. ربيع أحمد

خضوع المادة لقوانين  لا تحيد عنها ينافي الأزلية ومن المعلوم أن أي مادة من المواد في الكون تخضع لقوانين معينة ،ولا تستطيع المادة الخروج عن هذه القوانين ،ويستحيل عليها تغييرها ،ولو كانت هذه القوانين من المادة نفسها لكان بإمكانها أن تغيرها لكن الواقع أنها لا تستطيع تغييرها , ولا الخروج عنها وإنما هي مفروضة عليه فرضا , فدل ذلك على أن هذه القوانين ليست من المادة و بالتالي فهي مفروضة من غيرها ،ووجود قانون ما يدل على وجود مقنن واضع لهذا القانون سبق القانون ،والمادة تحكمها قوانين ،ومقنن القوانين وواضعها  سابق للقوانين مما ينافي القول بأزلية المادة  ،وإذا كان للمادة قدر لا تستطيع تجاوزه وتعجز عنده فهي مخلوقة لا محالة . احتجاج الملاحدة بأن المادة  لا تفنى ولا تستحدث من عدم على أزلية المادة يحتج بعض الملاحدة على أزلية بأن المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم معللين ذلك بعلة عليلة فيقولون إذا كان في وقت من الأوقات لم يكن هناك شيء في الوجود أي لم يكن هناك وجود للمادة، فمن أين لها أن تنشأ؟! ولكن وجود المادة يعني أنها لم تنشأ في أي وقت من الأوقات  ،و في الطبيعة لا ينشأ شيء من لا شيء ،والجواب على هذا الاستدلال السقيم أن الخالق لا يعجزه شيء  ، وإذا كان المخلوق لا يمكنه أن يصنع شيئا من لا شيء فالخالق قدرته ليس لها حدود، فهو على كل شيء قدير  قادر على خلق الأشياء من عدم ،و قادر على خلق الأشياء من جنسها ،و قادر على خلق الأشياء من غير جنسها و قادر على إفناء الأشياء ، قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ( يس : الآية 82 ) ، والعلم لا يدري ماذا كان قبل الانفجار ،ولا يدري من أين جاءت المادة التي نشأ منها الكون ؟ فلا ينبغي علينا أن نتكلم فيما لا نعلمه ،و قال تعالى : ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ ( الإسراء الآية 36 ) ،وكون المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم فهذا كلام تجريبي على المادة التي نتعامل معها و نختبرها أما المادة الأولى لنشأة الكون فلا سبيل للعلم للوصول إليها فضلا عن أن يختبرها . دعوى الملاحدة أن المفردة التي نشأ منها الكون أزلية ادعي بعض الملاحدة أن المفردة التي نشأ منها أو المادة التي نشأ منها أو السديم أو المادة الأولى للكون أزلية  ،وهذا كلام بلا دليل ،والجواب عليه من وجوه : الوجه الأول : أن العلم لا يدري ماذا كان قبل الانفجار ،و لا يدري من أين جاءت المادة التي نشأ منها الكون و تطور منها كل شيء ؟  الوجه الثاني : ليس هناك ما يدعو إلى أن المادة و الطاقة كانتا موجودتين قبل الانفجار العظيم . الوجه الثالث : الفضاء والزمان وجدوا مع الانفجار العظيم ، والمادة هي كل ما له كتلة وحجم ويشغل حيز في الفراغ أي المادة تحتاج لمكان أو حيز  ليحويها ،وبالتالي لا مادة دون وجود المكان الذي سيحويها . الوجه الرابع : كون الكون تطور من المادة الأولى إلى الحالة التي هو عليها فهذا يدل أن المادة الأولى   قد طرأ عليها التغير و التبدل ،وما يجري عليه التغير والتبدل لا يكون أزليا ؛ لأن كل ما يتغير و يتبدل لا بد له من مغيِّر و مبدل أي لابد له من سبب يغيره و يبدله ،وهذا السبب لابد أن يكون سابقا له مما ينافي الأزلية ،و مادامت المادة الأولى احتاجت إلى سبب يغيرها من حال إلى حال و سبب يبدلها من حال إلى حال فالمادة محتاجة إلى غيرها غير مستغنية بنفسها مما يدل أن المادة حادثة ،و لو كان الأصل فيها الوجود الأزلي لم تكن عرضة للتحول والتغير والتبدل . الكون ممكن الوجود ،وهذا ينافي الأزلية هذا الكون بكل ما فيه من مجرات و نجوم وكواكب وبحار و أنهار و محيطات و نباتات وحيوانات وغير ذلك يقبل الوجود و العدم  فإننا نرى أعيان ما في الكون تموت وتحيى ، و توجد و تنعدم ،و كانت غير موجودة ثم وجدت ،ونعلم أن المجرات و النجوم و الكواكب و الحيوانات و النباتات و الجمادات لم تكن موجودة ثم وجدت ،وعليه فلا مانع عقلا من انعدام الكون ،و لا يلزم من فرض وجود الكون محال ،و لا يلزم من فرض عدمه محال ،وهذه صفات ممكن الوجود ،وممكن الوجود الأصل فيه العدم إذ لو كان الأصل فيه الوجود لكان واجب الوجود فلا يكون مع ذلك ممكن الوجود والعدم  ، وإذ كان الكون مسبوقا بالعدم فلابد من وجود من رجح وجود الكون على عدمه  لبطلان الترجيح بلا مرجح ،و الممكن لا يوجد بنفسه بل بغيره ولا يكون كذلك إلا ما كان محدثاً ،وهذا ينافي الأزلية . القول بأزلية الكون يستلزم وجود أحداث لا نهائية تمت في الكون وهذا باطل القول بأزلية الكون يستلزم وجود أحداث لا نهائية تمت في الكون ،و لا يمكن أن يكون هناك عدد لانهائي من الأحداث تم في الكون ؛ لأن  أحداث الماضي واقعية ، و ليست مجرد أفكارا ، فإن عدد أحداث الماضي يجب أن يكون نهائياً  أي يجب أن يكون له بداية .