الملحد ودعواه نسبية الأخلاق الصفحة 6 من 6

بواسطة: د. ربيع أحمد

تلخيص لأسباب الغلط أو المغالطة: مما سبق يتضح أن أسباب الغلط أو المغالطة عند القائلين بأن الأخلاق اعتبارية أو نسبية، وليس لها ثبات ولا قيمٌ حقيقية مطلقة، ترجع إلى ثلاثة أمور: الأمر الأول: تعميم اسم الأخلاق على أنواع كثيرة من السلوك الإنساني، فلم يميّزوا الظواهر الخلقية، عن الظواهر الجمالية والأدبية، وعن العادات والتقاليد الاجتماعية، وعن التعاليم والأحكام المدنية أو الدينية البحتة، فحشروا مفردات كل هذه الأمور تحت عنوان الأخلاق، فأفضى ذلك بهم إلى الخطأ الأكبر، وهو حكمهم على الأخلاق بأنها أمور اعتبارية أو نسبية. الأمر الثاني: أنهم جعلوا مفاهيم الناس عن الأخلاق مصدراً يرجع إليه في الحكم الأخلاقي، مع أن في كثير من هذه المفاهيم أخطاءً فادحة، وفساداً كبيراً، يرجع إلى تحكم الأهواء والشهوات والعادات والتقاليد فيها، ويرجع أيضاً إلى أمور أخرى غير ذلك. والتحري العلمي يطالب الباحثين بأن يتتبعوا جوهر الحقيقة، حيث توجد الحقيقة، لا أن يحكموا عليها من خلال وجهة نظر الناس إليها، فكل الحقائق عرضة لأن يثبتها مثبتون , وينكرها منكرون، ويتشكك فيها متشككون، ويتلاعب بها متلاعبون، ومع ذلك تبقى على ثباتها، لا تؤثر عليها آراء الناس فيها. الأمر الثالث: اعتمادهم على أفكارهم وضمائرهم فقط، وجعلها المقياس الوحيد الذي تقاس به الأخلاق، مع أن هذه عرضة للصواب والخطأ  . نظرات في كلام بعض الملاحدة يقول بعضهم : ( من المستحيل أن تعمم الأخلاق على جميع البشر .. نعم قد يتفق مجموعة من الأشخاص على مفاهيم أخلاقية معينة ولكن هذا لا يعني أن التعميم في الأخلاق مستساغ من قبل جميع الناس ؛ لأنه بكل بساطة عادات الناس وطبائعهم مختلفة بعضها عن بعض  ) ،وهذا الكلام باطل إذ المستحيل خلافه فمن المستحيل ألا تعمم الأخلاق على جميع البشر ،ويوجد الكثير من الأخلاق المطلقة التي لا تتغير من أمة لأمة و لا من زمن لزمن كفضيلة الصدق و الوفاء والعدل و الأمانة فكل الأمم تحب مثل هذه الأخلاق و تستحسنها و يوجد خلق أخرى تستقبحها و تكرهها جميع الأمم كالغدر والخيانة و الكذب . والاستدلال بتغير عادات الناس وطبائعهم استدلال في غير محل النزاع فليست العادات والطباع من قبيل الأخلاق فالعادات من اسمها أمور تعود الناس على عملها أو القيام بها أو الاتصاف بها ، وتكرَّرَ عملها حتى أصبحت شيئاً مألوفاً ، وهي نمطٌ من السلوك أو التصرُّف يُعتادُ حتى يُفعل تكراراً ، ولا يجد المرء غرابة في هذه الأشياء لرؤيته لها مرات متعددة في مجتمعه وفي البيئة التي يعيش فيها ،وما يكون معهودا في مجتمعه وبيئته قد لا يكون معهودا في مجتمع آخر . والطباع مفرد طبع و هو كل ما كان في أصل خِلقة الإنسان، وجُبِلَ عليه أي ثابت الأخلاق التي جبلت النفوس عليها فالطبع مجموعة من السمات الداخلية في الإنسان تؤثر في سلوكه ومن الناس من جبل على الخلق الحسن فيتخلق به ومنهم من جبل على الخلق الرذيل فيتخلق به ، وطباع الإنسان الْخُلُقيِّة يمكن تغييرها بالتهذيب والتربية ،ونحن لا نتكلم عن طباع خلقية يمكن تغييرها بل نتكلم عن استحسان الخلق الحميد و استقباح الخلق الرذيل نتكلم عن وجود أخلاق يمدح صاحبها و أخلاق أخرى يذم صاحبها  نتكلم عن أخلاق يحبها جميع الناس و أخلاق أخرى يكرهها جميع الناس . ويقول بعضهم : ( كل الأخلاق أخلاق نسبية قد تكون صحيحة هنا و خطأ هناك ) ،و هذا الكلام باطل إذ من الأخلاق ما يكون خيرا و يمدح فاعله  بإطلاق كالصدق والعدل والكرم والأمانة ومن الأخلاق ما يكون شرا ويذم فاعله كالكذب والخيانة والإفساد في الأرض فيوجد أخلاق محمودة عند جميع الناس و أخلاق مذمومة عند جميع الناس . و يقول بعضهم : ( الأخلاق مبنية على المنفعة ،ومنفعة الإنسان هي بالطبع السعادة أو البعد عن الألم علي أقل تقدير. و لهذه السعادة متطلبات تختلف من مجتمع لأخر بناءا علي اختلاف الاحتياجات و الخبرات و الثقافات و بالتالي تصبح الأخلاق علي إطلاقها نسبية ) و الأخلاق التي تبنى على المنفعة هي الأخلاق النفعية و الأخلاق النفعية خارجة عن محل النزاع  إذ هذه الأخلاق لا تحمل من الأخلاق إلا اسمها ،واعتبار المنفعة مقياسا للأخلاق يجعل الأخلاق نسبية ومتغيرة ، فيصبح السلوك الواحد خيرا وشرا في آن واحد ، خيرا عند الذي حقق له منفعة ، وشرا عند الذي لم يتحقق له منفعة وبالتالي لا يوجد خلق حميد و لا خلق رذيل وهذا مخالف للواقع  بدليل وجود قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك كالعدالة و الفضيلة والكرم. و اعتبار المنفعة مقياسا للأخلاق  يلغي الأخلاق ؛ لأن  المبدأ ‏الذي تستند إليه الأخلاق وتحتكم إليه مفقود فالمنافع متعارضة ، وما ينفعني قد لا ينفع غيري مما يؤدي لحدوث التنازع و اصطدام مصالح الناس بعضها ببعض وعموم الفوضى . و ربط الأخلاق بالمنفعة يحط من قيمة الأخلاق ؛ لأنه ينزلها إلى مستوى الغرائز ،والغرائز موجودة في الإنسان و الحيوان معا فيصبح سلوك الإنسان لا يتميز عن سلوك الحيوان . ويقول بعضهم: ( لما كان لكل ثقافة معاييرها الخاصة بها فإن المرغوب فيه يختلف تبعا لذلك من ثقافة إلى ثقافة، ومن ثم تختلف القيم من ثقافة إلى ثقافة ) ،و الجواب أن الثقافة هي الإطار الأساسي والوسط الذي تنمو فيه الشخصية وتترعرع، فهي التي تؤثر في أفكاره ومعتقداته ومعلوماته ومهاراته، وخبراته ودوافعه، وطرق تعبيره عن انفعالاته ورغباته، كما تحدد له القيم والمعايير التي يسترشد بها وتفرض عليه التقاليد التي يتمسك بها . ويمكن أن نعرف الثقافة بأنها الطريقة التي يفكر بها الناس في مجتمع ما، ويعملون بها، وتقوم عليها نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية, والطريقة التي يتحدثون بها, ويسيرون بها في الشوارع، ويقودون بها السيارات، ويتعاملون بها مع بعضهم البعض داخليا، ومع الآخرين خارجيا، وعاداتهم وتقاليدهم.. إلخ . و يمكن أن نعرف الثقافة بأنها مجموعة الأعراف والطرق والنظم والتقاليد التي تميز جماعة أو أمة أو سلالة عرقية عن غيرها . ولكل أمة ثقافة و أسلوب للحياة و طريقة للتعايش الناس بعضهم مع بعض تتسق مع عقيدتها  ،والذي يتغير تبعا للثقافة هو عادات الناس وتقاليدهم فهذه عرضة للتغيير والتبديل أما الأخلاق فلا تتغير بتغير الثقافة بدليل وجود قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك  على أنها خير عند جميع الأمم كالعدالة و الأمانة والكرم ،ويوجد قيم أخلاقية تحتفظ بقدر من التوافق العام والتصور المشترك  على أنها شر عند جميع الأمم كالكذب و الخيانة ،والخير محبب عند جميع الأمم والثقافات و الشر مذموم عند جميع الأمم والثقافات و الصدق والعدل والكرم والأمانة والشجاعة أخلاق محمودة عند جميع الأمم والثقافات والكذب والغش والخيانة أخلاق مذمومة عند جميع الأمم والثقافات. ويقول بعضهم: ( المبادئ الأخلاقية نسبية ومتغيرة ومتطورة؛ لأنها ترتبط بعجلة التطور الاجتماعي، وتخضع لتأثير العوامل الاقتصادية والدينية والثقافية والتاريخية، وهذه كلها متطورة ومتغيرة من عصر إلى عصر، وعليه تتطور الأخلاق بتطور هذه المؤثرات ) والجواب أن الذي يتغير هو أعراف الناس وتقاليدهم وعاداتهم لكن الأخلاق تتمتع بالثبات فكل العصور و كل الأمم عندها الصدق فضيلة والكذب رذيلة ،و كل العصور و كل الأمم عندها الأمانة خير و الخيانة شر ،و كل العصور و كل الأمم عندها الكرم محمود و البخل مذموم. هذا و الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات مراجع المقال : التعريفات للجرجاني الثقافة والشخصية لسامية الساعاتي كواشف زيوف الشيخ عبد الرحمن الميداني علم الأخلاق الإسلامية لمقداد يالجن مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها لعلى أحمد مدكور موسوعة الأخلاق لخالد عثمان الخراز