الملحد ودعواه نسبية الأخلاق الصفحة 2 من 6

بواسطة: د. ربيع أحمد

مفهوم الأخلاق الأخلاق مفرد كلمة خلق ،و الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه  . والذي يفصلُ الأخلاق وُيميِّزُهَا عن غيرها هي الآثار القَابلة للمدح أو الذَّم، وبذلك يتميز الخُلُق الحسن عن الغريزة فالأكل مثلا غريزة، والإنسان عند الجوع يأكلُ بدافع الغريزة وليس مما يمدح به أو يذم. لكن لو أنَّ إنسانَا أكلَ زائدًا عن حاجته الغريزية، صارَ فعله مذمومًا، لأنه أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الطمع، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود، وهو القناعة. كذلك فإن مسألة حبّ البقاء ليست محلًا للمدح أو الذم في باب السلوك الأخلاقي، لكن الخوف الزائد عن حاجات هذه الغريزة أثر لخلق في النفس مذموم، وهو الجبن، أما الإقدامُ الذي لا يصلُ إلى حد التهور، فهو أثر لخلق في النفس محمود، وهو الشجاعة . وهكذا سائرُ الغرائزِ والدوافع النفسية التي لا تدخلُ في باب الأخلاق، إنَّما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تُحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم  . و الخُلُق منه ما هو طبيعي أي فطري يولد الإنسان مجبولا عليه كالحلم والتؤدة والحياء ، ومنه ما هو مكتسب ينشأ من التعود والتدرب والبيئة كالشجاعة والكرم . مفهوم نسبية الأخلاق نسبية الأخلاق تعني أن الأخلاق تتغير بتغير الزمان والمكان و الثقافة و الأشخاص والمجتمع فلا توجد أخلاق مطلقة، وعليه ليس هناك صواب وخطأ أخلاقي فقد يكون السلوك الأخلاقي محرماً عند شخص ولكنه محلل ‏عند شخص آخر ، وقد يكون السلوك محمودا عند شخص ولكنه مذموم عند شخص آخر ،وقد يكون الفعل من قبيل الرحمة عند شخص ،وعند شخص آخر من قبيل القسوة ،وقد يكون السلوك محمودا في مجتمع ولكنه مذموم في مجتمع آخر  . مخالفة القول بنسبية الأخلاق للواقع إن القول بنسبية الأخلاق يخالف الواقع إذ توجد مجموعة من الأخلاق تفرض نفسها على الجميع فرضا فيوجد سلوكيات مستهجنة عند جميع المجتمعات كالسرقة و الكذب و الغدر و الخيانة و البخل  ويوجد سلوكيات مستحسنة عند جميع المجتمعات كالصدق و العدل والأمانة و الوفاء والكرم  . ومن المستحيل أن يكون الصدق فضيلة عند مجتمع معين و يكون رذيلة عند مجتمع آخر ،ومن المستحيل أن يكون العدل فضيلة عند مجتمع معين و يكون رذيلة عند مجتمع آخر ،ومن المستحيل أن يكون الوفاء فضيلة عند مجتمع معين و يكون رذيلة عند مجتمع آخر ،ومن المستحيل أن يكون الصدق فضيلة في زمن معين و يكون رذيلة في زمن آخر. مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر  فليس لدينا مقياس نفرق به بين الخير والشر  ،و ليس لدينا معيار نحكم به أن هذا الخلق خير و هذا الخلق شر ،و ليس لدينا قيم أخلاقية ثابتة مطلقة يمكن أن نحتكم إليها ،و تجعل بوسعنا الحكم والتمييز بين ما هو خير من الخلق و ما هو شر ، و إذا كان مع القول بنسبية الأخلاق لا يمكن التمييز بين الخير والشر ،وهذا أمر باطل  فالقول بنسبية الأخلاق قول باطل ؛ لأن ما يلزم منه اللازم الباطل فهو باطل لا اعتبار له  .  و نحن في الكثير من الأحيان نستطيع التّمييز بسهولة بين ما هو خير وما هو شرّ، و إن كان في أحيان أخرى لمؤثرات معينة قد يلتبس علينا الأمر فنظن أن الشيء فيه خيرًا وهو شر، أو نظن أن الشيء فيه شرا وهو خير ،و تمييزنا في كثير من الأحيان بين ما هو خير وما هو شر يدل أن لدينا معايير نحكم بها على أن هذا الخلق خير و هذا الخلق شر ،وهذا يناقض القول بنسبية الأخلاق . و من مساوئ القول بالنسبية الأخلاقية أنها تساوي بين قتل عشرات الناس و بين إطعام عشرات الناس فعلى النسبية الأخلاقية قتل عشرات الناس لا خير فيه و لا شر ، وإطعام عشرات الناس لا خير فيه و لا شر . و من مساوئ القول بالنسبية الأخلاقية أنها تساوي بين اغتصاب فتاة و بين إنقاذ فتاة من خطر معين فعلى النسبية الأخلاقية اغتصاب فتاة لا خير فيه و لا شر ، وإنقاذ فتاة من خطر معين لا خير فيه و لا شر .