الملحد و خطأ حصر الأدلة العلمية في الأدلة التجريبية الصفحة 3 من 5

بواسطة: د. ربيع أحمد

الحواس قد تخطيء بالغ الملاحدة في الاعتماد على الحس في الحكم على الأشياء أشد المبالغة رغم أن الاعتماد على الحس وحده في الحكم على الأشياء قد يؤدي للوقوع في الخطأ فالحس قد يخطئ ،و العقل يصحح خطأ الحواس . ومن الأمثلة على خطأ الحواس ظاهرة السراب ،وهو نوع من الوهم البصري فهو خدعة بصرية تحدث نتيجة ظروف البيئة المحيطة من اشتداد درجة الحرارة، والأرض المستوية، واختلاف في معامل الانكسار، مما يجعلها في حالة توهج شديد حيث تبدو كالماء الذي يلتصق بالأرض ليعكس صورا وهمية للأجسام وكأنها منعكسة عن سطح مرآة كبيرة . ومن الأمثلة على خطأ الحواس أيضا ظاهرة انكسار الضوء ،و هي عبارة عن انحراف الضوء عن مساره عند انتقاله إلى وسط شفاف آخر فبدل أن يستمر في الحركة على نفس الخط المستقيم الذي كان يستمر فيه ينحرف عن مساره بنقطه انتقاله بين الوسطين فإذا وضعنا قلماً في كأس ماء بدا القلم للناظر مكسوراً ،و هو ليس كذلك . ومن الأمثلة على خطأ الحواس أيضا الخداع البصري ،و هو أن يرى الناظر الصورة التي أمامه على غير حقيقتها التي هي عليها في الحقيقة نتيجة أن المعلومات التي تجمعها العين المجردة وبعد معالجتها بواسطة الدماغ تعطي نتيجة لا تطابق المصدر أو العنصر المرئي فالخدع البصرية إذا هي صور و مشاهد مصنوعة مسبقا بطريقة مدروسة لتظهر للناظر بطريقة معيّنة و هي ليست كذلك . و من هنا ندرك أن الحواس يمكن تضليلها بسهولة ،والدليل الحسي و الدليل التجريبي يعتمد على الحواس في رصد النتائج فهو عرضة للتضليل ،ومما سبق يتبين خطأ الاعتماد على الحواس كمصدر وحيد للمعرفة ،وأن المعرفة لا يمكن أن تبنى فقط على الحواس فالحواس قد توهمنا وتخدعنا . بطلان دعوى ما لا يدرك بالحواس لا وجود له كثير ما نقرأ أو نسمع للملاحدة أن ما لا يدرك بالحواس لا وجود له ، و هذا زعم باطل يغني فساده عن إفساده فهذه الروح التي بنزعها نموت غير محسوسة بالحواس فلا نستطيع أن نسمعها أو نراها أو نشمها أو نلمسها أو نتذوقها مع أن الروح موجودة ،ويدرك وجودها بأثرها . و العقل و الإدراك غير محسوس بالحواس فلا نستطيع أن نسمعه أو نراه أو نشمه أو نلمسه أو نتذوقه مع أن العقل موجود ويدرك وجوده بأثره. و العدل و الظلم و الحكمة و الحب و الكره و السعادة و الفرح و الرضا و الغضب و غير ذلك من الصفات المعنوية غير محسوسة بالحواس مع أنها موجودة و من أنكرها عد من المجانين . و الجاذبية موجودة لكنها لا تدرك بالحواس فلا نستطيع أن نسمعها أو نراها أو نشمها أو نلمسها أو نتذوقها لكن الجاذبية تدرك بغير الحواس إذ يدرك وجودها بأثرها . والكهرباء موجودة لكنها لا تدرك بالحواس فلا نستطيع أن نسمعها أو نراها أو نشمها أو نلمسها أو نتذوقها بل تدرك بغير الحواس إذ يدرك وجودها بأثرها . والكون مليء بالموجودات التي لا تقع تحت نطاق الحس و لا تعرف عن طريق الرؤية و إنما نستدل عليها عن طريق العقل و ظهور الآثار . و الملاحدة يؤمنون بوجود الحس ويجعلونه أصل نظريتهم و أساسها مع أن الحس نفسه غير محسوس فإن قالوا هو محسوس ، فبأي الحواس أثبتوا وجوده بالبصر أو السمع أو الشم أو الذوق أو اللمس ؟! ، و إذا كان الحس موجوداً فقد اعترفوا بموجود غير محسوس ، وإن كان الحس غير موجود فهذا أساس نظريتهم المادية ،وقد انهار . و على منهج هؤلاء الملاحدة الماديين لن يستطع أحد الحكم باستحالة شيء أو بضرورة شيء آخر ؛ لأن الاستحالة بمعنى عدم إمكان وجود الشيء ،و عدم إمكان وجود الشيء ليس مما يدخل في نطاق التجربة ، و لا يمكن للحواس أن تكشف عنه و مع سقوط مفهوم الاستحالة يكون التناقض ممكناً . و إن أقروا بجواز استحالة شيء و استنجوا منه استحالة وجوده في الخارج فالانتقال من الحكم باستحالة تصور شيء أو إحساسه إلى الحكم باستحالة وجوده في الخارج هو استنباط شيء من شيء ، و هذا الاستنباط خارج على مذهب الماديين أنفسهم . و تعميم الحكم من الجزئي أو الفرد الذي أجرينا عليه التجربة على كافة أفراد النوع ( على أمثاله ) حكم عقلي لا تجريبي أي التعميم نفسه تجاوز لمصدر الحس و ليس مما يقع في خبرة الحواس بل هو استنباط ،و الاستنباط خارج على مذهب الماديين أنفسهم . والتجربة لوحدها تحتاج إلى القوانين والقواعد العقلية الأولية في أكثر معارفها و لا قيمة للحواس في عملية المعرفة بدون العقل الذي يوجهها ويضبطها ويجمعها ويرتب صورها ويعطي أحكاما على مجالاتها . و التجربة نفسها لا تثبت مبدأ العلية ؛ لأن العلية لا تثبت عن طريق التجربة و مع انهيار مبدأ العلية تنهار قاعدة إثبات العلوم و إن أقروا بوجود مبدأ العلية فقد أقروا بمبدأ عقلي و المبادئ العقلية خارجة على مذهب الماديين أنفسهم . و نخلص من هذا إلى خطأ القول بأن ما لا يدرك بالحواس لا وجود له بل ما لا يدرك بالحواس قد يدرك بغيرها .