الملحد ودعواه أن الأخلاق مصدرها الطبيعة الصفحة 6 من 7

بواسطة: د. ربيع أحمد

و الذكر القوي إذا تزوج بأنثى قوية لا يستلزم ذلك إنجاب ولد قوي فقد ينجبا ولدا ضعيفا حسب قوانيين الوراثة و كم رأينا من رجل جميل يتزوج بامرأة جميلة و ينجبا طفلا غير جميل و رأينا العكس أيضا . و عقليا ومنطقيا البقاء عن طريق التعاون بين الإنسان والحيوان والنبات أكبر وأوسع من البقاء عن طريق التنازع . و تفسير نشأة الأخلاق بالتطور الدارويني الذي آليته الصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح تفسير لا يفرز إلا الوحشية والدناءة ، فالتطور الدارويني لا يُنتج إلا أمثال هتلر، والمجتمع الدارويني لا يكون إلا مجتمعاً فاشيا ينتشر فيه التعصب العنصري والتصفية العرقية . و قد كان الفكر التطوري الدارويني سببا في نشأة اثنين من أسوأ النظم الاجتماعية والسياسية الشيوعية في الاتحاد السوفيتي ،والنازية في ألمانيا ،وقد طبق الفكر السياسي الاستعماري هذه النظرية على الشعوب المستعمرة وجعلوا منها مبرراً لسيطرة المستعمرين . و دارون يعتبر الأخلاق من نتائج الانتخاب الطبيعي في المجال السلوكي مثلها مثل أي صفات بيولوجية أخرى مثل منقار الطائر هل يوصف منقار الطائر بأنه خير أو شر ؟ إنه فقط مفيد للقيام بوظائفه لهذا الطائر بالتحديد تحت هذه الظروف في هذه الفترة من الزمن لذلك فاستخدمنا لاصطلاح جيد أو سيء يكون من منطق الفائدة المادية ،وليس القيمة الأخلاقية أي ليس هناك أخلاق فاضلة و أخرى شريرة ، ولكن هناك سلوكيات و مفاهيم تعين بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراع من أجل البقاء  . و إذا كان الانتخاب الطبيعي مبني على تحقيق المنفعة الفردية حيث كلُّ فرد لا يهمه إلا نفسه في صراعه مع الآخرين من أجل البقاء، فهذا التفسير يلغي الأخلاق إذ من قوام الفضائل الأخلاقية التضحية و الإيثار و التعاطف مع الآخرين وفي التضحية يبذل الشخص النَّفس أو الوقت أو المال لأجل الآخرين دون مقابل منهم ، وفي الإيثار يقدم الإنسان حاجة الآخرين على حاجته، برغم احتياجه لما يبذله، فقد يجوع ليشبع غيره، ويعطش ليروي سواه و في التعاطف  يضع الشخص نفسه محل الآخر ويتبنى مشاعره وأحاسيسه وآلامه ،وكل هذه السلوك الأخلاقية من منطلق مادي لا تخدم البقاء و ليس فيها تحقيق منفعة للفرد بل تحقق منفعة لغيره ولذلك هذه السلوك الأخلاقية تضع الانتخاب الطبيعي في مأزق  . والانتخاب الطبيعي يعجز عن تفسير وجود أخلاق حميدة تمارسها الكائنات تجاه كائنات من أنواع أخرى كالرفق بالحيوان و الشفقة على الحيوان فهذه السلوك الأخلاقية لا تخدم البقاء و ليس فيها تحقيق منفعة مادية للفرد . و إذا كانت نشأة الأخلاق تفسر بالتطور الدارويني و الانتخاب الطبيعي فما المصلحة من وجود الأخلاق السيئة كالكذب و الغش و الغدر و الخيانة و القتل فهل مثل هذه الأخلاق تخدم البقاء أم تساعد على الفناء ؟!! والإنسان يقوى بإخوانه فهل قتل الناس بعضهم بعضا يخدم البقاء أم يساعد على الفناء ؟ و إذا كانت الأخلاق نشأة بآلية الصراع من أجل البقاء و البقاء للأصلح فلماذا يوجد الخلق و ضده فإما الخلق الحسن هو الذي يخدم البقاء فيصطفيه الانتخاب الطبيعي أو الخلق المذموم هو الذي يخدم البقاء فيصطفيه الانتخاب الطبيعي . وحسب الانتخاب الطبيعي فأي شيء يحافظ على بقاء صور الحياة الأكثر تعقيداً والأفضل تكاملاً يوصف بالخير ، وما يعوق التطور الدارويني يعتبر شراً ولو تركنا قانون الغاب يعمل عمله بأن يبقى الأصلح وحده ، فإن سلوكنا عندئذ يكون صواباً لأن الاتجاه الرئيسي للتطور الدارويني يكون قد حقق الهدف منه ، ولكن لو تدخلنا في مسار التطور الدارويني بمعاونة الأضعف على البقاء ، فإن سلوكنا عندئذ يكون من الناحية الأخلاقية خاطئاً . و في عالم دارون تصبح الدعوى إلى حماية الضعفاء والمرضى والمعاقين و الإشفاق عليهم والعناية بهم دعوى ضد الطبيعة ضد الانتخاب الطبيعي و البقاء للأصلح . و في عالم دارون تصبح الدعوى إلى الإنفاق على الفقراء واليتامى والمساكين دعوى ضد الطبيعة ضد الانتخاب الطبيعي و البقاء للأصلح . و في عالم دارون تصبح الدعوى إلى تحريم الزنا و زواج المحارم دعوى ضد الطبيعة  و ضد الانتخاب الطبيعي . و إنسان دارون إنسان الغاب لا مانع عنده أن تخونه زوجته أو يزني بمحارمه  . و الإنسان يمكن أن نسميه كائناً أخلاقياً بينما لا نسمى الحيوان كائناً أخلاقياً ، إذ لا معنى للحديث عن قيم خلقية وسلوك خلقي ومسئولية و جزاء في عالم الحيوانات فالأخلاق مرتبطة بالاختيار ، ويقوم الاختيار على الوعي بمبادئ وقواعد يتصرف الإنسان وفقاً لها ، ولا ترتبط هذه القواعد والمبادئ بالغريــزة والحاجة القريبة دائماً ، لكن سلوك الحيوان محدود بحاجاته القريبة فقط . إن السلوكيات الأخلاقية وآدابها هي التي تميز سلوك الإنسان عن سلوك البهائم سواء في تحقيق حاجاته الطبيعية أو في علاقاته مع غيره من الكائنات الأخرى، فالآداب زينة الإنسان من حيث الجنس والأكل والشرب والنظافة، وتذوق السلوك الجميل وتمييزه عن السلوك القبيح، والبحث عن أفضل العلاقات وأحسنها في المعاشرة والمحادثة والتعاون والتآلف وتبادل المحبة والإكرام والإحسان والتراحم والتعاطف وغيرها ولهذا فالآداب الأخلاقية زينة الإنسان وحليته الجميلة، وبقدر ما يتحلى بها الإنسان يضفي على نفسه جمالا وبهاء، وقيمة إنسانية . وإذا كانت الأخلاق التي يتحلى بها الجنس البشري يتحلى بها عن وعي كامل و قدرة على الاختيار ، ولا نجد في غيره من الكائنات مثل ذلك فلماذا حصل هذا التطور عند النوع الإنساني دون غيره ؟ أي إذا كان الإنسان على زعمهم يمثل امتدادا طبيعيا لمن سبقه في سلم التطور البيولوجي فلماذا خضع الإنسان للتطور في الأخلاق دون غيره ؟.