الملحد ودعواه أن الأخلاق مصدرها الطبيعة الصفحة 5 من 7

بواسطة: د. ربيع أحمد

القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي إرادة الإنسان ومسئوليته تجاه أفعاله القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي إرادة الإنسان ؛ لأن الطبيعة تتسم بالحتمية فلا معنى لحرية الإرادة و الاختيار بل يصبح الإنسان كالريشة في مهب الريح، لا تملك لنفسها تصريفاً ولا توجيهاً ،و الحرية ترتبط دائما بالمسئولية، فإن لم يكن الشخص حر الإرادة، فلا مسئولية عليه وبذلك يصبح القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة ملغيا لالتزام الأفراد ومسئولياتهم و إرادتهم و يهدم المسئولية الأخلاقية من أساسها ، و لا تستقيم أمور الدنيا علي ذلك ؛ لأن الإنسان لابد أن يحاسب بعمله، ويحاسب على تصرفاته والقول إذا كان يلزم منه اللازم الباطل فهو قول فاسد لا اعتبار له . و  هل يمكن أنْ نكلّف شخصاً بأيّ تكليف، ونحمّله مسؤولية ذلك إذا لم يكن له الخيار فيما يفعل؟ وكيف نمدح الناجح في عمله و نذم الفاشل إذا لم يكن له الخيار فيما يفعل ؟ و في عالم الحتمية لا معنى للخير و الشر ،ولا معنى للثواب والعقاب ولا معنى للمدح و الذم ،ويصبح الحديث عن القيم الأخلاقية العليا لغوا لا معنى له  إذ كل شيء يجري وفق قوانين ثابتة لا يمكن أن يحيد عنها . و في عالم الحتمية المحسن لا يكون مختاراً عندما يحسن، ولا المسيء يكون مختاراً عندما يسيء . القول بأن مصدر الأخلاق هو الطبيعة يلغي دور الإنسان في التاريخ و الحضارة إذا كان الإنسان يخضع لحتميات الطبيعة فلا إرادة عنده و لا عزيمة و لا اختيار و لا رغبة في التغيير و لا إرادة للتغيير مثله مثل أي كائن آخر في الطبيعة  . وأحد دعائم التاريخ و الحضارة العنصر البشري الذي مهمته التغيير و البناء و الابتكار و الإبداع و هذا يحتاج إرادة ذاتية وعزيمة داخلية تنبعث في نفس الإنسان تحثّه على التغيير و البناء و الابتكار و الإبداع ،ومن خلال العقل المدرك الذي وهبه الله للإنسان و العزيمة الداخلية و الإرادة الذاتية و الطاقات التي زوده بها يستطيع الإنسان أن يصنع تاريخه و حضارته على هذه الأرض . و الواقع العملي أثبت الدور الإيجابي للإنسان في صنع التاريخ والحضارة لكن الماديين يريدون سلب هذا الدور من الإنسان و بذلك يلغون مصدر أصيل في إنشاء التاريخ إذ الحتمية تفترض أنه لا إرادة للإنسان ،وكأن الإنسان يشاهد حركة التاريخ و يرى ما يحدث له وللمجتمع دون أن يشارك فيه وهذا مخالف للواقع . التفسير الدارويني لنشأة الأخلاق فسر كثير من الملاحدة نشأة الأخلاق بالتطور الدارويني الذي آليته الصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح فكل كائن حي يسعى من أجل بقائه، و ينتهي هذا السعي إلى التنازع من أجل البقاء، وهذا التنازع ينتهي إلى الانتخاب الطبيعي، وانتخاب الأصلح و عليه فأخلاق البشر تطورت تطورًا تدريجيًّا ثم استقرت تبعا لما يحقق للإنسان المصلحة والتفوق والانتخاب الطبيعيّ هو صاحب الكلمة الأخيرة في تقرير سلوك الإنسان ،و قد أنتج هذا الانتخاب عند الكائن البشريّ نوع من القاعدة الأخلاقيّة الكونيّة فالأخلاق ما هي تكيف بيولوجي تطوري لتنظيم عملية التكاثر الذي يخدم بقائنا والعملية البيولوجية هي معيار الأخلاقيات، وكل شيء يدعمها فهو خير، وكل شيء يعارضها فهو شر . و زعم  الدارونيين  أن كل كائن حي يسعى من أجل بقائه، و ينتهي هذا السعي إلى التنازع من أجل البقاء، وهذا التنازع ينتهي إلى الانتخاب الطبيعي، وانتخاب الأصلح زعم باطل  ورجم بالغيب فمن المشاهد و الملاحظ وجود تعاون بين الأنواع أكبر من التنازع، وهناك تلاقي و تعاون و تكامل بين الكائنات أقوى من الصراع ،وهذا الالتقاء والتعاون والتكامل هو دافعها إلى الحركة والقوة والنماء. و قد شهد التاريخ ببطلان نظرية التنازع من أجل البقاء والبقاء للأصلح والأقوى  فإذا نظرنا إلى تاريخ البشر نجد خلاف هذه النظرية فها هم أهل الكتاب يهود و نصارى عاشوا ضعاف في الدولة الإسلامية 12 قرنا ، ومازالوا باقين ،و هاهم المسلمون كانوا هم حاكمي البلاد و بالتالي هم الأقوياء و مع ذلك بقي أهل الكتاب في حكمهم و هاهم المسلمون كانوا في بداية الدعوة ضعفاء ثم قويت شوكتهم ،و هاهم النصارى كانوا ضعفاء في الدولة الرومانية ثم قويت شوكتهم ،و هاهم اليهود كانوا في بداية دعوة موسى عليه السلام ضعفاء ثم قويت شوكتهم . و من المعلوم بالحس و المشاهدة أن أي دولة من الدول تجد فيها الضعيف و القوي و مع ذلك لم ينقرض الضعفاء و مازال الأقويالاء موجودين . و بالنسبة للحيوانات و الطيور و الأسماك و النباتات فليس هناك تنازع من أجل البقاء و لا بقاء للأقوى و الأصلح بل بقاء الحيوانات  و الطيور و الأسماك و النباتات يرجع لعدم وجود عوامل الانقراض و التي  من أهمها : القطع الجائر للنباتات . الصيد الجائر للحيوانات والطيور و الأسماك  . تعديل البيئة فتعديل البيئة يؤدي إلى إبادة كثير من الأنواع النباتية والحيوانية و العديد من الطيور . تلوث البيئة ،وقد أهلكت الملوثات المائية من زيت البترول و العناصر الثقيلة و المبيدات العديدة من الطيور المائية و الأحياء البحرية الدقيقة و الأسماك التي تتغذى عليها . و ترجع عوامل البقاء إلى توافر مقومات الحياة ،و عدم وجود عوامل الانقراض ،و لو كان البقاء للأقوى لما انقرضت الديناصورات  و بقيت الحشرات . ومن المعروف أن الكثير من الكائنات الحية لا تستطيع إنتاج غذائها بنفسها فتتغذى على غيرها ،وغيرها يتغذى عليها و هذا من التكامل بين الكائنات مثلا يأكل الأرنب الأعشاب و تأكل البومة الأرنب و تموت البومة فيأكلها الضبع و يموت الضبع فتتغذى عليه الكائنات المحللة  أو قمح يأكله فأر و الفأر يأكله ثعبان و الثعبان يأكله نسر و النسر يموت فتتغذى عليه الكائنات المحللة و هكذا .