المدينة الصفحة 5 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

وصلت سيارة البلدية الخاصة بالموتى، دفعوا بالحماله الناس المتجمهرين بكثافة ليشقوا الطريق نحو الجثة، وحين وصلوها قلبوا الرجل على جنبه بمهارة فائقة ودفعوا الحمالة جانبه، فلما حاذته تماما، قلبوا الرجل من جديد مع دفعة صغيره، فاستقر الجسد فوق الحمالة. اصطدمت عيني بوجهه وكأني أراه لأول مرة، كانت نظراته البارزة من عينيه الجاحظتين تتجه نحوي مباشرة، نظرات باردة، بليدة، لم يغير الموت فيها شيئا، ومع ذلك نفرت عقرب سوداء كريهة، لدغت شفتي، أفرغت سمها فيها، عصرته عصرا، كدت أختنق لولا الملاءة البنية التي نثرت فوق الجثة فغطتها. أندفع الرجال بالجثة المسجاة على الحمالة من بين الناس بسرعة، ودفعت الحمالة بحركة ماهرة داخل السيارة. حاول الكلب الاندفاع نحو الجثة، لكن الباب كان قد أغلق، وعلا نفير السيارة فبدا مزعجا، قاسي النغمات، وسارت السيارة مسرعة. في هذه اللحظة بالذات، علا نباح الكلب بصورة مسعورة وهو يطوي الأرض وراء السيارة لا يلوي على شيء. تفرق الناس وهم يلوكون الحديث بسيرة الميت الغامضة على المقهى والمدينه. وعاد الجميع إلى ما كانوا عليه. فتشابكت قصة الموت مع فرقعة النرد واحتكاك أوراق اللعب. ألموت، موت الرجل أمر عادي، عارض، ينسى بسرعة مذهلة حين لا تستجيب أرقام النرد لراميها، فيبدأ بإرسال صواعق شتائمه على الحظ المقلوب، ثم يهدأ بسرعة مذهلة ليعاود استغراب قصة الموت المفاجىء. تملكني الملل الشديد، هاجمتني حيرة حادة لاذعة، أيقظت احساس الغموض الفياض في صدري كزوبعة عارمة محملة بالأتربة والعرق. تفرست الوجوه الموجودة في المقهى من جديد، بدت لي غريبة، بعيدة ملامحها عن ذاكرتي. الآن، وفي هذه اللحظة بالذات تعوم صورتهم في بحر ضبابي كثيف، مثلما كانت تبدو لي وأنا أنفث دخان دخينتي بهدوء أمام وجهي، لأحدق من خلال الدخان المتصاعد بكثافة في وجوههم. كانت تبدو آنذاك قاتمة، مترجرجه، تظهر ثم تختفي. الآن أكاد لا أتبين ملامحها مطلقا وسط بحر من الضباب ألذي يلفها لفا كاملا. خرجت من المقهى دون إرادة، ولغير وجهة، يرافقني الإعياء الشديد بسبب تقلصات أعصابي، ويأكلني شعور المبهم، والنار تلفح وجهي وجسدي بحرارة شديدة، والدخان ينتشر في خلايا دماغي، أسودا، مظلما، يتلوى كعربيد جريح في أكثر من موضع. هذه المدينة، مدينة طول كرم. أعرفها جيدا، شوارعها، مقاهيها، سياراتها، خيولها، حميرها، قنوات المياه الملتوية بين زقاق المخيم، بياراتها، حاراتها، حتى مسامات الأرض المزفتة وغير المزفتة، أعرفها مسامة مسامه. غريبة علي أليوم بكل ما فيها، كل نبضة حب نبضها قلبي من اجلها، أندم عليها، أرثيها. الشوارع التي طالما احتضنت خطاي، أشعر اليوم برغبة عارمة للثأر منها، ومن قدمي. المدينة ليست شوارعا، أو كتلا إسمنتية متراصة بجانب بعضها بعضا، ولا حبة زيتون ناضجة مثل حلم قاتل، ولا عرق زعتر، أو حبة لوز، وليست سوقا تتناحر الأقدام فيها كي تثبت نفسها فوق شوارعها وأرصفتها. المدينة هي الناس، بانفعالاتها، أحاسيسها، بدموعها، فرحها، بدمائها، بروحها وموتها. هي التشابك في الحياة الزاخرة النابضة في التضاد الذي يختلف ليلتقي، ليتوحد، ليصبح كلا، صلته بالجزء معدومة لا تظهر. لكن هذه المدينة، بلا قلب، بلا روح، خاوية الإحساس، تمور بالمتناقضات العارمة الطافية على السطح، والمستقرة بالأعماق. هي مدينة المحبة والكراهية. تنجب في لحظه مئة رجل، لتقتل في اللحظة ذاتها ألف رجل، تعانق السماء بشموخها، وتسحر أنوثتها الرجولة، وتتمطى شبقة أمام دودة. تفيض علما، وتسح من كل جوانبها جهلا، تنعش الآمال، وتفتك بالأحلام، تضمك لصدرها حنانا، تلفظك فظاظة وقسوة. أحبها حبي للجنة، أمقتها مقتي لجهنم، هي فوق الوصف، وهي لا تستحق أن يقال فيها كلمة. مسكين هذا الرجل، هل كان يعرف عنها شيئا؟ نعم، يقينا. وإلا ما قذف نفسه بأحضانها دون غيرها، ولا، يقينا. وإلا لكان أختار مدينة غيرها، هو الآن لقمة بأمعائها، تعصره عصرا لتأخذ منه كل ما تبقى، تعتصره بوحشية، بأنيابها الغولية الحادة، لتدفعه فوقها من جديد، شجرة حنظل أو عليق. وربما شجرة مسك أو عنبر. لا أحد يدري، حتى ولا هو. مستبدة هي بكل شيء، حتى أنها لم تسأله، لم تستشره في مثل هذا الأمر، كم هي قاسيه. ولكن ما الجدوى من إستشارته؟ ولماذا تضعه في موقف حائر؟ لماذا تعذبه برغبة الاختيار؟ فلتتحمل هي مشقة الأمر، وتدوس على الإبر والأشواك وحيدة، لتتحمل هي كل آلام هذا الاختيار، ثم لتتحمل ولوحدها نتائج اختيارها. أما هو فليرقد بسلام، قرير العين، مطمئن الضمير، كم هي حانية هذه الأم؟ والكلب، ذلك القزم الضئيل المقزز، ما الذي حل به بعد موت صديقه؟ أي مشاعر تتنازعه وتتحداه؟ مسكين هذا الكلب، كيف سيرتاد الشوارع دون حماية؟ وكيف سيدخل المقهى؟ هل هناك من يحس بإحساسه الآن، هل سيقدم أحد له العزاء بصديق عمره؟ لا، لا أظن ذلك. شيء واحد، واحد فقط، هو ألذي انتشلني من دوامة المجهول الأحمق التي استبدت بكل نفسي، شيء واحد فقط، مشهد الكلب القزم وهو مهروس الرأس على الشارع ودماغه مختلطة بدمائه، وعجل السيارة المطبوع فوق الخليط المركز من الدم والدماغ. أحسست النشوة تغزو أعماقي، وعضة الجوع أيقظت معدتي، فانفلت من أفكاري كالسيل حين يفلت من حاجز. عدت نحو البيت ورائحة السمك تعبق بأنفي، وصوت النادل ينساب بأذني بعمق رائق: - ( واحد قهوه دبل للأستاذ مركز، ومزبط، وعالكيف ).