المدينة الصفحة 4 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

هم رجال أقعدهم الزمن، بكل تناقضاته، هم رجال حكم عليهم الاستعمار أن يذووا ظلما، زورا، بهتانا، من أجل أن يحيا قادمون من المجهول مكانهم. زمن الأستعمار هذا، أصدر حكمه عليهم بأن يكونوا عاجزون، لا يعيشوا في لحظاته وثوانيه. – بالنسبة لهذا الزمن – زمن الاستعمار – هؤلاء لا يعنون شيئا. لذا يجب أن يعيشوا حياتهم الباقية بين أرقام ورق اللعب وأحجار النرد، هذا وقتهم الآن. أنا أعلم بأنهم جميعا كانوا راضين بهذا الحكم. رغم علمي أيضا بأنهم لم يكونوا مدركين للحكم الصادر عليهم إدراك المتأمل. كانوا يمارسون الأمر على أنه حالة طبيعية، لذا فإن إحساسهم بهذا الحكم، هو إحساس التعود الذي لا فائدة من التفكير فيه، أو حتى لا ضرورة لذلك. كنت أرثي لهم، ولكن دون أدنى شفقه. أنا أعلم بأن هؤلاء مخ حياتنا كشباب، وأننا بدونهم نفقد نور الشباب المتألق بوجوهنا، وكنت أحس عميقا بأن هؤلاء هم الأصل، ونحن الفرع. لذا فإن وجوههم كانت تتبدى لي تزخر بالسماحة والوقار، وفوق هذا كله، الألفة الشديدة التي كانت قائمة بيني وبينهم. لم يكن يثيرني من هؤلاء شيء، ولم يكن ليثيرني أي شيء في المقهى، لولا وجود ذلك المسن الغريب، العفن، وذلك الكلب القزم الراقد دوما بين قدمي المسن المنفرجتين. كان غريبا عن المدينة، لم يبدأ ظهوره فيها إلا من وقت قصير. كان سمينا، مترهلا، كبير الرأس، أشعث الشعر، أما أنفه فكان بارزا جدا وبصورة غير متناسقه وكأنه ركب على وجهه تركيبا. أما عيناه فكانتا صغيرتان أكثر مما يجب، وتشبهان إلى حد ما، ثقبا صغيرا في الأرض، قياسا بأنفه المركب، وحواجبه الكثة الغليظة. أما أذناه، فهما تشبهان صحنان مليئان. لم يكن فيه شيء سوي، حتى كلبه الصغير، فهو أيضا يثير التقزز، وكأنه أكتسب قذارته من صاحبه أو العكس. كانا متشابهين في كل شيء. ويبدو أن كلا منهما كان سعيدا بهذا التشابه، فالعفونة الشديدة التي كانت تظهر على رقبة الرجل بين تجاعيد الترهل، هي نفس العفونة التي تظهر على ذيل الكلب وظهره. كنت أحس بشوق عارم لمجالسة هذا الرجل، محادثته، لا يمكن أن يكون هناك شخص يأتي من فراغ. لابد وأن يكون وراءه شيء ما، أما هذا الرجل، فقد كان إحساسي بأن وراءه أمر ما، غير عادي، بأي شكل من الأشكال، هذا يبدو واضحا، ملموسا، من نظرات عينيه، من صمته العميق، بعده عن الناس، مسكته لخرطوم النرجيلة، ارتجاف أصابعه، سهومه في جلد كلبه فترات طويلة، قذرا ته. كل هذه الأمور تؤكد أن هناك شيئا ما، شيء غير عادي. ولكن أنى يكون لي معه حديث، وهو كالراهب يحيا في صومعة معزولة عن العالم، عن البشر. لا بد وأن يكون هناك مدخل لهذه الصومعة، لكني لحد الان لم أستطع اكتشافه أبدا. كانت تظهر وكأنها من غير مدخل، حتى كلبه اللعين هذا، يخيل إلي أنه يدرك سبب الصمت الذي يغلف صاحبه تماما، لذا فهو يقدسه تقديسا تاما، لا ينبح أبدا. آه كم تمنيت أن أسمع نباحه، حتى ولو لمرة واحده. إذا لوجدت المدخل نحو هذه الصومعة الحجرية الصلبة، آه منه هذا الكلب اللعين. أذكر ذات مرة أني تعمدت أن أدوس ذنبه وأنا خارج من المقهى، تعمدت ذلك بصورة وحشيه، قاسيه، فظه، لأحمله على النباح، لكنه فطن للأمر، نظر إلي بانكسار واضح، هز ذيله ليسقط الغبار عنه، وولج بكسل قاتل بين قدمي صاحبه وكأن الأمر لا يعنيه. أما اليوم، اليوم بالذات، فقد رافق إحساس الغموض الذي انتابني في الصباح الباكر، إحساس متفجر، متسلط، لا بد من خطوة أولى نحو هذه الصومعة، لا بد من محاوله، لا يهم إن كان مصير هذه الخطوة الفشل، المهم أن تبدأ المحاولة، (ثم ما الذي يقف بينك وبينها )؟ قلت لنفسي ( ها هي أمامك، تلمسها بلا رهبه، بلا وجل، بلا خوف، وإن لم تجد لها مدخلا ، عد، عد، لا عيب في ذلك، لكن أن تقف تاركا الحيرة تنهبك، أن تقف عاجزا، هذا هو العيب بعينه ). إنتصبت ونفسي تمور بالرضا والغضب في آن، نظرت إليه بتحد، تأملت وجه الكلب من جديد، حدقت طويلا في جلد الكلب ورقبة الرجل. لم أستطع أن أفرق بينهما. تقدمت وقد أصبح صدري خاويا من كل شيء. الأسئلة التي كنت سأوجهها إليه، التخلص من حديثه بسرعة حتى لا تدفعني رائحته للتقيؤ، عضة الكلب، كل هذه الأمور قفزت من رأسي، من ذاكرتي، قفزت بعيدا، بعيدا جدا، ومع ذلك تقدمت: - صباح الخير. والتفت وجوه المقهى نحوي، تملؤها الدهشة، ويملؤها التحسب والتوقع، إنتشر الصمت مرة واحده، فرقعة الزهر، احتكاك ورق الشدة، صوت النادل، قرقرة النراجيل، أيمان الطلاق المغلظة، كل هذه الأمور غابت، انعدمت، دون إنذار أو توقع. وأصبح الجو مشدودا إلى حد التوتر الخانق، تدلت خيوط العرق من خدي إلى عنقي، أحسست وجهي يفح بخارا حاد السخونة، ورأيت الحمرة المتفجرة منه أمام عيني. تملكني شعور العار المذل، حتى أنه لم يكلف نفسه عناء النظر إلى وجهي. أنا الآن لا أطمع في محادثته أبدا، لا يهمني أمره، فقط لو يحرك يده، يشتمني بأعلى صوته، يضربني بذيل كلبه لو شاء. المهم أن يخلصني من المأزق الذي أوقعت نفسي فيه، يرفعني من هذا الوحل الجاثم على صدري. - صباح الخير يا سيدي. خرجت مني رغم تقطع أنفاسي ولهاث الوحل على صدري فخمة جزله، وكأنها موجهة إلى ملك متسلط، غاص الوحل بقلبي أكثر. لو يرفع عينيه فقط، لا، لا أريد منه ذلك، فلينبحني كلبه، نبحة مبحوحة، متحشرجة، هذا يكفي. أيها الكلب اللعين، يا ابن الكلب، خلصني من السخرية المرتسمة في العيون المتسمرة نحوي، خلصني ولك علي أن آتيك بكيلو لحم، لحم أحمر لم تذقه منذ زمن بعيد. لكنه لم يشأ، لم يصغ لتوسلاتي، كنت أقف إنسانا كاملا، أنبض بالحياة، تجتاحني عواصف مدمره من الانفعالات والأحاسيس، هذه العواصف تكفي إثباتا على إنسانيتي، ولكن دون جدوى. مسحت جبيني أكثر من مرة وبالكاد استطعت أن أخفي إرتعاشة قدماي. فركت عيني بشدة لأزيل غمامة العار التي بدأت تتشكل فوقي بقوه، خلعت يدي من جيبي، حملت قدماي خطوة، كنت أستند على الهواء لئلا أقع على الأرض. هززت الرجل بيدي بعنف حانق. سقط الرجل على الأرض، ككومة نفايات ثقيلة لزجه، أسندت نفسي على يدي اللتين انتصبتى على الطاولة كعمودين من الصخر. تمزق الصمت مرة واحده، إندفع الجالسون كالذباب نحو الرجل وأصواتهم ترن في أذني (الرجل ميت )، ( مات وبيده خرطوم النرجيلة )، ( مات، سبحان الله، ما في واحد عرف أنه ميت ). تقلصت أعصابي، ودب في جسدي تحجر هائل، لم يرف لي طرف، صدمني الهول الأتي من المفاجئة، شلني شللا تاما، كاملا، حتى الناس الذين بدأوا يتدافعون من الخارج وأصواتهم المتداخلة تعلو، لم تدفعني نحو الحقيقة قيد شعره.