المدينة الصفحة 3 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

اليوم لا أدري ماذا حصل. كل هذه الأمور أفلتت مني تماما كما ينفلت الليل من النهار، حتى جو الرهبة والهيبة والجلال والسمو، الذي يخيم على شوارع المخيم والمدينة بسبب انتشار صوت القرآن الكريم المنبعث من كل مذياع على الطريق، هذا الجو الذي كان يصعد بي فوق عالم الأرصفة والشوارع، ويسمو بروحي على أعتاب حرية غير محدودة، بلا أرجاء، ولا مسافات. هذا الجو لم أحسه اليوم، ولم أتلمس يفاعته وسموه وجلاله، لم يضرب قلبي بعمقه وفخامته، لماذا؟ ولماذا؟ وكيف قادتني خطاي كل هذه المسافة دون وعي أو تبصر؟ هل أصبت بداء المشي أثناء النوم؟ وعلى عتبة المقهى، خرج طوفان التساؤلات من رأسي وكأنه أنتزع انتزاعا، كالعشبة حين تنزع من جذورها. إلا أن الشعور المبهم ما زال يحيا بأعماقي ويكبر، كنت أحس بانتشاره في ذاتي كرذاذ المطر، يبدأ بالانتشار بحنان في الأفق، ثم يكبر ويتحول إلى عاصفة غاضبة، تضرب الأفق والأرض زخات مطر لا يرحم. كان المقهى يتمتع برائحة مميزه، وجو مميز، وكان البخار المتصاعد من غلايات القهوة وأباريق الشاي فوق مساحة المقهى، يغلف الجو بدفء خاص، وضبابية غير منفره. أما رائحة القهوة الزكية، الحبيبة بمذاقها، فقد كانت تتطاير كحبات لؤلؤ إلى الخارج، وليس هناك من يستطيع أن يثبت حين تمتزج رائحة القهوة هذه مع رائحة التمباك الصاعدة من النراجيل المتعددة. هذا الجو المتداخل كان يلهب خيالي، يستفز انفعالاتي بصورة واضحة، ولم أكن أستطيع تفويت مثل هذه الفرصة علي يوما واحدا، إلا حين تحكم الحياة مشيئتها القاسية بخطوات يوم من أيامي. كنت أسرح ببصري إلى الشارع الممتد خارج المقهى، لكن صوت النادل وهو يختلط بصوت الزبائن، وقرقرة النراجيل، كان يستقر في أذني واضحا. - (وعندك واحد شاي مع نعنع ). (واحد قهوه على الريحه ). - (أهلا أبو علي، الله يصبحك بألف خير، والله نورت القهوه ). - (بوجودك والله ). - (واحد قهوه على كيفك لحبيبنا أبو علي، قهوة أبو علي عصملي ). ويغيب النادل ليعود حاملا صينية عليها فنجان القهوة وكوب الماء، ويقول وهو يسكب القهوة لأبي علي: - (والله إنك بدعت البارحة، صحيح أنه كان رايح يغلبك، لكن الزهر بعرف صاحبه ). - (كله حظ، الدنيا غالب ومغلوب ). - ( صحيح يا حج، بس النصر إلو لذة، والغلب غلب، خلصنا والله ما في أصعب من الغلب، الغلب خازوق، خازوق كبير ). - (هو خازوق بعقل، لكن خازوق بستيره ولا خازوق بفضيحه ). - (أيوه، هاي الحكي الصحيح ). ويغيب النادل بين صفوف الطاولات من جديد، ويبدأ أبو علي صباحه بعد حبات المسبحة التي في يده مرات ومرات، دون أن يشعر بأي ملل. وكنت أرقبه كثيرا، لأنه يذكرني بأستاذي أحمد الهودلي، حين يحين درس المحفوظات، هذا الأستاذ كان عاشقا للغة العربية، وكأنها امرأة خلقت وهي تحمل كل مواصفات الجمال والروعة، ولكن لتشاهد، لا لتلمس. عليك أن تحفظ كل مسامة من مساماتها، كل مسحة من مسحات جمالها، دون خطأ، دون ارتباك، حتى لا تشوه هذا الجمال أو تنتقص من قدره. درس المحفوظات، المسبحة، أحمد الهودلي، اللغة العربية، كلها أركان، أربعة خطوط تشكل مربعا مرعبا في نفوسنا. لأن الأستاذ يبدأ بعد الأخطاء على حبات مسبحته، فمع كل خطأ تنزلق حبه، وكل حبه في النهاية، هي لسعات حارة من مطرا ق الرمان على أكفنا الصغيرة. كان يضربنا وكأننا إرتكبنا كبيرة من الكبائر، وكأننا مزقنا شرف اللغة، وفضضنا عذريتها بطريقة محرمه. ولا سبيل أو طريق لمعالجة الجريمة سوى مطرا ق الرمان وهو يهوي على أقفيتنا أو على أقدامنا كأفعى، وإذا دخلت الرحمة، فعلى أكفنا. كان وجه الأستاذ يتجمر غضبا وهو يصرخ ( اللغة هي الجمال، الجمال هو اللغة، هذه اللغة، لغة الله، لغة الجنة، لغة القرآن. عليكم أن تعرفوها، أن تتقنوها كما تعرفون وتتقنون أسماءكم ). وجوه المقهى مألوفة عندي، وهي لا تثير في الإنسان أي شيء، بسيطة، عاديه. لها هوايات ممضة وثقيله، لا تتجاوز في طبيعتها ورتابتها أي وصف، إنها ببساطه، هوايات قتل الوقت. ( فالشده ) التي تسيطر على مجموعه، (وطاولة النرد )، حالات السهوم التي تشبه الإغفاء في اللاشيء، كلها حركات آلية تمارس يوميا، أكثر من مره، وعلى نفس النسق. كنت أجلس أرقب هذه الوجوه الطيبة، الوديعة، وهي تناضل الوقت، الساعات، برتابة ودون فائدة.