المدينة الصفحة 2 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

رائحة الفول الساخن، مقالي الفلافل المنتشرة على شوارع المخيم بكثافة، كانت تداعب شهيتي، تستثيرها، فأشعر بمعدتي تنقبض بشده، وترتخي بشده، فأشعر بجوع قاتل. أتحول إلى قط شره جائع، يرى أكداس السمك على بعد منه، ورائحته النفاذة تصدم أنفه فتهز معدته، وتحرض شهيته. لكنه رغم ذلك لا يفعل شيئا غير ضرب الأرض بذيله، وأن يموء بحزن الجوع لأنه لا يستطيع الوصول لغير رائحة السمك. هذا الخليط من البشر، بوجوهه المتعبة، والتي لا يزال النوم ساكنا في كل ملامحها، حركاتها، قريب مني، بل هو مني وأنا منه، من دمي، من روحي، من كبدي. بيني وبينه تاريخ لا يدون بأدوات اللغة، ولا يحدد بأدوات الزمن ولا بعقارب التاريخ. تاريخ لا يكتشف، كالأرض العذراء المنزوعة من ترهات البشر، لتصنع لذاتها خصوصية تعبق بكل مجهول ومعلوم. خصوصية ذات نكهة خاصة، ومذاق خاص، خارج عن حدود الزمن وإرادة الوقت. وجوه أحبها بكل ما فيها من سمرة ممزوجة بخضرة الزيتون، بكل ما فيها من خجل الرمان، بكل ما فيها من حلاوة التين، ومرارة الشيح والحنظل. وكنت دائما –وفي كل يوم – أراقب هذا الخليط وهو يقف أمام مقالي الفلافل، وجرار الفول، بشكل عدائي واضح. كانت الأيدي وهي ترتفع مع تزاحم الأجسام للحصول على طلباتها، تبدو كأغصان الشجر حين تضربه موجة هواء قويه. نغمات الأصوات موحده وكأنها لرجل واحد، أو امرأة واحده – صحن فول -، - صحن حمص -، - عشرة أقراص فلافل -، - واحد مسبحه -، - واحد قدسيه -. ومن يحصل على طلبه كان ينزلق من بين الجميع كحلزونة مبدعه، ليدخل سيارة أو شاحنه من السيارات أو الشاحنات المصطفة على امتداد الشارع، ليصبح بعد وقت قليل، حلزونة من نوع جديد، لها مهارة جديدة، غير الانزلاق من بين الحشد المصطف أمام رائحة الفول والفلافل. حلزونة تدور مجبرة بين آلات ضخمة جباره، تفح كأفعى عاشت ما يزيد عن ألف عام. عليه أن يقف أمام فحيحها، يصطلي ناره، يحشو أنفه من رائحته، وهو مسلوب الإرادة، عليه أن يقف عاجزا، شاء أم لم يشأ، لأن الأمر خرج من يده كما يخرج الماء من بين الأصابع المنفرجة. إذ ذاك كنت أشعر بنشوة الانتصار، صحيح أن معدتي تبدأ تطبق على عقلي، كما يطبق التمساح قواطعه على فريسته، فتطير كل لحظات الانتصار والنشوة التي استللتها من حمام الماء الساخن، وشفرة الحلاقة الحادة. لكن، رغم هذا كله، كنت أشعر بالنصر لأني لست واحدا منهم، ولا أقف مثلهم أصطلي نار الرتابة. ولأنني فوق ذلك، سيد وقتي وصانعه، أتصرف به وفق إرادتي ومشيئتي. أما اليوم، لا أستطيع حتى أن أشتم رائحة الفول والفلافل. هناك شعور غريب يسيطر علي، يأخذ كياني كله، كحوام بحر يستبد بسباح غافل، يظل يدور به ويهبط حتى يوصله إلى النهاية، نهاية الحوام بعمقه. حتى شعور الشفقة الذي كنت أحس دبيبه يسري بدمائي نحو هذا الخليط البشري، أصبح اليوم ينتفخ ويتضخم، فأمد يدي على صدري، على جلدي، أتحسسه خوفا من اندفاعه فوق الجلد. فأشعر بالرهبة، بالجبن، لماذا؟ ما هو شعوري اليوم؟ أنا لا أعرف الحزن مطلقا، هذه حقيقه أشعر بها شعوري أني مبعوث على هذا الوجود، أتنفس من هوائه، وأشرب من مياهه. أما اليوم، فإني، ولأول مره، أظن، ولست على يقين، بأن الحزن سيغزوني. وإلا، فما سبب الفوضى بأعماق أعماقي؟ وما هذا الشتات المتمكن من نفسي؟ قد لا يكون بداية حزن، هذا احتمال، وقد لا يكون هناك أي شيء على الإطلاق، قد أكون طبيعيا، وهذا أيضا احتمال قائم. إذا من أين دخل علي عالم اللامبالاة هذا الصباح، لقد تعودت أن أدقق النظر بكل شيء، وصباح كل يوم. المحلات التجارية وهي تستعد لاستقبال يوم جديد، الأبواب المفتوحة، والأبواب التي ما زال نصفها الآخر يحجب عن العين جزءا من داخلها، خراطيم المياه بأيدي التجار وهي تغسل الشوارع وتعطي الجو رطوبة مميزه، رطوبه محمله برائحة التراب والغبار المتطاير، عربات الباعة المتجولين المحملة بكل أنواع الخضار والفواكه من تفاح، مندرينا، أجاص، ملفوف، الجوافة التي تغزو رائحتها الهواء والأجواء، الأنوف، الكرز بحمرته الخجلة المتراكمة فوق بعضها. بسطات النساء الزاخرة بأعشاب الأرض البرية، الزعتر برائحته الحادة العطرة، وآه من رائحة الزعتر هذه، كم هي حبيبة إلى نفسي، فرفاحينه، لوف، زعمطوط، خبيزة، إلسينه، بابونج، نعنع. أعشاب تتوزع بطريقة رائعه، مغرية، تتداخل فيها الروائح والألوان. فتهز النفس والعقل هزات شديدة، تستثير الذوق، وتدفع خيالك للإلتحام مع الوجبات والمشروبات التي يمكن إعدادها من هذه الأعشاب، خاصة أقراص الزعتر المغرقة بزيت الزيتون أثناء خروجها من الفرن ساخنة سخونة الخيال ذاته. والأهم من هذا كله، لم تصل اليوم لأنفي رائحة السمك الطازج، تلك الرائحة النفاذة التي يلتقطها أنفي عن بعد، اليوم بالذات لم أدقق بأنواع السمك مطلقا. مع أن هذا الأمر هو إحدى هواياتي الأولى والمفضلة، لأن السمك بالنسبة لي يعني الكثير. مجرد نظره لسمك السلطان إبراهيم، أو القراص، أو المشط، كانت كافية لأن تقيم بيني وبين السمك الراقد في الصناديق البلاستيكية، نظرة واحدة فقط، قصة عشق تبدأ بحض معدتي على الإسراع في هضم ما كنت قد ألقيت في جوفها على العشاء، وتنتهي فور سقوط السمك في الزيت الحار.