المدينة الصفحة 1 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

أفاقت من نومها قبل بزوغ الفجر، كعادتها، ظماى لنور الشمس المستتر خلف طبقات الظلام التي بدأت تتفكك أمام قهر الفجر القادم. لتعطي الكون لونا شديد الإثارة والغموض، فامتزاج اللون، اندماجه بالأفق البعيد المطلي ببقايا ليل راحل، مع أشعة شمس فجر قادم، متسلسل، رقراق، إندماج أواخر ليل، ببداية نهار، سر عميق، سحيق، غائر، مجلل بيفاعة رهبة ترسخ في القلب والعقل، رسوخ الجبال بأعماق الأرض.

هذا الغموض، الجلال، تلك الإثارة، الهيبة، كل هذه لها رغم تلفعها، تمازجها، شفافية، شفافية ماء النهر حين يكون منسابا بهدوء، بروعة، من بين جذوع الأشجار الشامخة، الباسقة، المنتصبة مكانها بكل ثقة، بكل يقين، بكل ثبات، كعلامات، منارات، تضج بالخضرة المتفجرة، المتفجرة بالحياة، بالبهاء، بانشراح تام للوجود، بانفتاح للجمال والروعه.

وما أن بدأت تتسلل الخيوط الأولى للشمس من بين مزق السواد وثقوبه، حتى تبدت أمام ناظري، عارية، عارية تماما، شهية، تقطر خصوبتها من بين مسامات جلدها كشهد مميز. نعم، ها هي تتمطى أمامي بنعومة عذبه، برشاقة مثيره، بخبث يلامس مراكز الإحساس، بدهاء يستفز كل المشاعر، هي قادرة، لعوب، تدغدغ عن قصد، تصميم، بخطة مرسومة، متقنة، كل ما في داخلي من مجهول. تنتفض إنتفاضة خاصة، لتغسل ما علق بها من سواد الليلة الماضية بسنابل الشمس الناعمة.

استبد جمالها بي، إمتلكني، إستثار روحي، شهوتي للحياة، دخل طوفان عارم بأعماقي، فأدركت يقينا بأن هذه المدينة مزروعة بقلبي وعقلي، وأنها حين تتعرى كل صباح لتمتص أشعة الشمس، إنما تتعرى لي، لي أنا، أنا وحدي.

كان الجو رائقا، جميلا، وحمام الماء الساخن الذي عمت فيه أدخل النشوة في جسدي، وأشعرني بخفة ظاهره في وزني، أما حلاقة الذقن، فقد جعلت نسيم الصباح الباكر يدغدغ وجنتيً بإثارة تملؤ وجهي نشاطا فياضا بالاندفاع من البيت إلى الشارع، لأمتع ناظريً بلون الشمس وهي تسقط فوق أرصفة الشوارع، وعلى أغصان الشجر.

لا أعلم تحديدا، ولا أعلم تماما، لماذا كان الإحساس المبهم يجول في صدري مذ خلعت نفسي من فراش النوم؟ إحساس من نوع جديد، لم أعهده في ذاتي من قبل أنا لا أنكر أبدا، بأن هذه المدينة، مدينة طول كرم، المليئة بالمتناقضات العارمة، الطافية على السطح، المترسبة بالأعماق، كانت تثير شهوتي حين تخلع رداءها لتأخذ حمام شمس. كانت تهزني بعنف وقوة، بعريِها، بجسدها اللامع، المصقول، بخصوبتها المركزة، كاِمرأة مكتنزة الشفاه آتية من قلب جمال الصحراء الفتان. هذا الإحساس كان ينتابني يوميا بعنف جديد وبشكل جديد مختلف تماما عن اليوم الفائت.

أما اليوم، فإني أحس غرابة في الأمر، أطأ الشارع بقدمي فأشعر وكأني لم أطأه من قبل، هذا الشارع الذي تربيت في حضنه، في عمقه، في صمته، في غضبه وصراخه، كنت أحس بقدرته على مقاومة برد الشتاء القارص، غضبه من شمس آب، كان يخفق في قلبي، وكنت أخفق في قلبه. هو لي صديق، بيني وبينه أيام، تاريخ، آلام، آمال. هذا الشارع قال لي كل شيء، وقلت له كل شيء، همس لي، همست له.

وهذه الوجوه القمحية، التي طالما تفرست عيناي ملامحها، بدقة وانتظام، حتى اختزلتها ذاكرتي بصورة واضحة المعالم، شديدة الإثارة، شديدة الانسجام. أحس اليوم، بأزمة، أزمة شديدة أمامها، أحاول جاهدا، إستخراج صورة، أية صورة من قلب ذاكرتي، فأشعر بوهن عارم، بعجز قاتل، أحك رأسي، أضغط بأناملي على جبهتي، بكل قوة ممكنة، أفرك عيني، أقرص ذقني، ولكن دون جدوى.

هذه الأسراب المتدفقة على الحوانيت، على المطاعم، بصورة آلية ورتابة قاتلة، كنت أراقبها كل صباح فأراها خليطا بشريا منوعا بكل شيء، لون الملابس، أكياس الطعام المحمولة بالأيدي أو على الأكتاف.