الإيـدز الصفحة 2 من 4

بواسطة: عبد الباقي يوسف

مقلوبة، صحون متسخة تأكلها العفونة، فناجين قهوة مكسورة، علاقة ثياب مخلوعة، ودلف عائد حاملاً القهوة وقال: هل أعجبتك هذه الفوضى؟ - تعجبني الفوضى إذا كانت منظمة، ولكن الرائحة الكريهة تخنق، هل أعينك في الترتيب وخلق فوضى منظمة؟؟ قال عائد: لا أشعر بأي رغبة لذلك، - أرجوك قل لي ما تخفيه، ثلاثة شهور وأنت لا تعمل وتعيش في هذه الغرفة، هل تفسر لي ؟؟؟ جلس عائد وقال: سأقول لك يا صديقي وأنا أعرف بأنك لا تستطيع أن تقدم لي شيئاً. وتحدث عن طفولته السيئة وهروبه من البيت إلى العاصمة والأعمال التي قام بها وهو في الثالثة عشرة من عمره ثم سفره إلى لبنان، ومن هناك سفره إلى خارج البلاد بجواز سفر مزور، وبعد خمس سنوات من العمل استطاع أن يدخر مبلغاً جيداً وفكر بالعودة إلى قريته وبناء بيت خاص به والقيام بمشروع تجاري، وفي أثناء هذا التخطيط علم أنه مصاب بالإيدز لأن زوجته التي تزوجها حديثا كانت مصابة وقال عائد وهو يحدق إليه بقوة: غادرت البلاد على الفور وعدت إلى بلدي، لم أذهب إلى قريتي إنني متردد كيف تريدني أن أذهب وأنا واثق من إصابتي فالاتصال ا كان دائماً بيننا، منذ ثلاثة شهور أسكن هنا أنفق نقود مستقبلي، كم أنا ساذج، تافه، لا مستقبل لي، سأموت قريباً،أجل لا بد أن أموت بعد شهور قليلة، بعد سنة في أقصى حدود سخاء هذا المرض البخيل، وليس أمامي إلا أن أعوض نفسي، لا بد أن أعيش خمسين سنة في سنة واحدة، لن أنام لحظة واحدة،،، سأعيش كل تفاصيل الحياة ولحظاتها في هذه الفترة المتبقية من عمري، لدي مبلغ جيد يساعدني على تحقيق رغباتي، هل تعتقد يا عبد الوهاب أن ذلك سيقدم لي شيئاً؟؟؟ ولم تخرج الكلمة المضبوطة من حنجرته ونهض وقد امتلأت عيناه بالدموع فنظر إليه عائد نظرة من ندم على أمر قاله قبل لحظات وخرج عبد الوهاب دون أن يقول كلمة واحدة ولبث سهراناً حتى الثانية بعد الظهر، عندئذ نام ولم يفق إلا في الثامنة صباحاً. فارتدى ثيابه وخرج، لمحه في الممر المؤدي إلى الأسفل، رفع كتفه مسلماً، استجاب عائد وهو يدنو إليه: أرجوك اعذرني، ولكن هذا ما حدث، ليست لدي إضافة. فقال عبد الوهاب: أتمنى لك الشفاء. - أين ستذهب؟؟ - إلى السوق - هل ستأخذني معك؟؟؟ - إن شئت فأنا أرغب في المشي في المدينة وقبل ذلك لي رغبة في ترتيب غرفتك، ثم أن ترتدي ثياباً جديدة. ووافق عائد على الاقتراح وعادا إلى الغرفة، استغرقت عملية الترتيب نحو ساعة ونصف: عادت إلي الرغبة للحياة. قالها عائد وأمسك بيد صديقه وهبط به درج الفندق، هبطا إلى قلب المدينة، وبدأ عائد يقبل على شراء كل شيء وينفق النقود بتبذير كمن يود التخلص منها. ابتاع أربعة بناطيل ومثلها من القمصان الصيفية لي وله ومجموعة هدايا كان يهديها إلى الناس في الطرقات ويقول: لماذا تمنعني من أكون متلافا للحظات فقط في نهاية هذا العمر، ، بل سخياً إن شئت ؟؟ وفي الواقع ما صرفه في ساعتين فاق ما جلبته معي لقضاء أسبوع أضعاف المرات، وربما لو كنت في موقفه لما ترددت من ذلك ورغم هذا فلا أعرف، ولست متأكداً بأنني سأموت قبله أو بعده، فقط هذه اللامعرفية مجدية وكلما زدت جهلاً بها كلما تمسكت بالحياة وكلما زدت علماً بها صرت مثل عائد. هذا الجهل الأعمق يمنحني القدرة على الاتزان وفجأة هتف عائد بطفولة: عبد الوهاب أرجوك انظر ، ذاك الشاب انظر إنه في عمري انظر إلى أناقته، ونظرت إليه قائلاً: ما به يا عائد لقد وعد حبيبته في الحديقة وتأنق لها. فقال عائد في حزن لن أنساه أبداً: لا أحسده على شيء فقط أحسده لأنه ليس مصاباً بالإيدز. وانحدرت دموع صادقة من عينيه وبعد قليل وضع ورقة نقدية بفئة خمسمائة ليرة في يد طفلة تمشي مع والدتها، دون أن تراه الوالدة ومشينا وقال مرة أخرى بذات الحزن المؤلم: أرجوك انظر إلى هذه الفتاة الجميلة. قلت وأنا أنظر: ما بها يا عائد؟؟ ليست مصـ،،،،، ولم تدعه الغصة يكمل . وبدأ يتصرف كالأطفال، يشتري الألعاب، والدمى، والسكاكر، كل تصرفاته كانت تلفت نظري وكنت أتحاشاها في مواقف وابتعد عنه، وكنت أصر على عدم استيائي في مواجهته، وأردد في سري: سوف يموت غداً. عدنا إلى الفندق مساءً، دخلنا غرفته واقترح أن نأخذ غرفة بسريرين، فقلت له: كما تريد يا عائد. استفاق السيد عبد الوهاب في الساعة السابعة صباحاً مد يده إلى سماعة الهاتف وطلب غرفة عائد،عندئذ قلت له بأنني عزمته على وجبة الفطور في محاولة للاعتذار على تركي المفاجئ له ليلة البارحة وبعد نحو ربع ساعة جاء عائد مرتدياً ثيابه، فدخلت الحمام ولدى خروجي قال عائد: أتعرف؟؟ قلت: لا قال: أحسدك لأنك لست ..……. - ومددت يدي إلى شفتيه: أحياناً نتعلم من المرض أكثر من تعلمنا من الشفاء، ويمكن أن نتعلم من المرض في سنة ما لم نتعلمه من الشفاء في ثلاثين سنة. فقال عائد: دوماً تحسسني بالانتصار حتى وأنا في آخر خطوات الهزيمة والاستسلام. قلت: ليست المسألة في أن أعيش يوماً وسنة بعدك أو قبلك وفي جميع الأحوال لن نكون بعد سنوات في الحياة هنا قد أخرج الآن وتصطدمني سيارة فأذهب بحادث، عندئذ وفي لحظات الاحتضار قد أحسدك على مرضك لأنه لن يقتلك بعد دقيقة واحدة على الأقل.