الإعلام الرمضاني بين الواقع والمأمول الصفحة 1 من 5

بواسطة:

1 – مقدمة :
في هذه الأيام الطيبات المباركات يتنسم المسلمون في شتي بقاع الأرض نسائم شهر رمضان المبارك ، وتمتلئ الأفاق بهذا العطر الحبيب إلي القلوب المؤمنة التي ترنو إلي الشهر الفضيل في رجاء وأمل وتستعد فيه لاجتناء الحسنات والتعرض لنفحات المولي تعالي ، فشهر رمضان هو فرصة كبيرة للقرب من الله رب العالمين ، وهو أحب الشهور إلي الله فيه أنزل القرآن الكريم منهج المسلمين في حياتهم ، وسبيلهم إلي ربهم ، فيه ليلة هي خير من ألف شهر من أحياها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وفيه تفتح أبواب الجنان ، وتغلق أبواب النيران ، وتغل مردة الشياطين ، كله خير فأوله رحمه وأوسطه رحمة زاخرة عتق من النار ، من خرم خيره فقد حرم ، فرمضان شهر البر والإحسان والخيرات والنفحات والبركات ، كل أيامه ولياليه أعيادا للأمة الإسلامية ، تتفتح فيه القلوب للذكر الحكيم والصيام الجميل والأخلاق النبيلة والسجايا الفاضلة ، حتى يعجب المتأمل كيف لا ينصلح حال أمة وهي تصوم ؟! ، إذ أن شروط الصيام الصحيح ليس مجرد الإمساك عن المفطرات المحددة خلال فترة الصوم المحددة ، وإنما هي في الجملة كف الجوارح كلها عما حرم الله تعالي ، وفي الحديث الشريف ، قال رسول الله ( صلي الله عليه وسلم ) : ’ إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ، ولا يجهل ، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه ، فليقل إني صائم ’ ( 1 ) .
( وصحة الصوم ، وحسن أدب الصائم في صومه ، صحة مقاصده ، ومباينة شهواته ، وحفظ جوارحه ، وصفاء مطعمه ، ورعاية قلبه ، ودوام ذكره ، وقلة اهتمامه بالمضمون من رزقه ، ووجله من تقصيره ، والاستعانة بالله تعالي علي تأديته ، فذلك أدب الصائم في صومه ) ( 2 )
2- استقبال شهر رمضان :
لذلك جميعه وأكثر كان لشهر رمضان خصوصيته ومظاهره المرتبطة به وكانت له أفراحه الغامرة في أفئدة المسلمين ، وأنواره الصافية التي تشرق في سماء الأمة الإسلامية ، ولذلك أيضا تستعد جميع طوائف الأمة باستقبال الشهر الفضيل ، ومن ضمن هؤلاء يستعد الإعلاميون لاستقبال تلك الأيام المباركة ، وبداية نشير باختصار إلي مفهوم الإعلام بصفة عامة والإعلام الإسلامي بصفة خاصة ، ثم نعرج ( بمشيئة المولي تعالي ) للحديث عن الإعلام الرمضاني أو الإعلام في شهر رمضان المبارك .
3 – مفهوم الإعلام :
تعددت تعريفات الإعلام لكن يمكن الإشارة إلي مفهومه بصفة عامة بأنه تلك العملية ذات الوسائل والقنوات المتعددة لنقل الأفكار والمعلومات وتداولها من المرسل إلي المتلقي من أجل تبليغ رسالة محددة والتأثير في سلوكه وأفكاره وذلك في ضوء خلفية عقدية ، خصوصا مع استفادة من الخبرات العلمية في مجال السلوك والنفس في المجتمع والاقتصاد والسياسة والتربية ( 3 ) وفي تعريف آخر للمهمة الأساسية للإعلام بأنها ( الإقناع عن طريق المعلومات والحقائق والأرقام و الإحصاءات ونحو ذلك ، أي تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات الثابتة التي تساعدهم علي تكوين رأي صائب في واقعة من الوقائع أو مشكلة من المشكلات ) ( 4 )
4 – مفهوم الإعلام الإسلامي :
أما الإعلام الإسلامي بصفة خاصة فيتفق مفهومه مع المفهوم العام للإعلام من حيث كونه مجموعة الفاعليات التي تهدف لتبليغ رسالة محددة إلي المتلقي استنادا إلي خلفية عقدية ، لكن أيضا له خصوصيات نابعة من مبادئ الإسلام تستند إلي ضرورة قيامه بالتبليغ والتبيين والترشيد والتقويم بما يخلص المسلم من الجهل واتباع الهوي والشهوات . ( 5 )
وأسس الإعلام الإسلامي هي نفسها أسس الدعوة الإسلامية بعامة والتي لخصتها الآية الكريمة ’ ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأؤلئك هم المفلحون ’ ( 6 )
ويعبر عن ذلك أحد الكتاب بقوله علي الإعلام الإعلامي بأنه ’ استخدام منهج إسلامي بإسلوب فني إعلامي يقوم به مسلمون عالمون عاملون بدينهم متفهمون لطبيعة الإعلام ورسائله الحديثة وجماهيره المتباينة أي نشر التعاليم الإسلامية للبشر كافة في إطار من الحيادية والموضوعية والمتابعة بعد ذلك للتعرف علي تأثير ذلك لديهم ’ . ( 7 )
وآخر يذكر أن الإعلام الإسلامي هو فن إيصال الحق إلي الناس قصد اعتناقه والتزامه وفن كشف الباطل ودحضه قصد اجتنابه ، فهو بناء وتحصين معا ’ . ( 8 )
وبذلك يتحلي الإعلام الإسلامي بقيم الصدق ومناهضة الزور والكذب والتدليس ، وأيضا يتحلي بالواقعية من حيث موافقة الفطرة الإنسانية ويلبي الاحتياجات الفعلية ، والشمول أيضا علي مستوي الرسالة الإعلامية ومستوي الأداء الفني الإعلامي من جهة أخري ، كما يتسم بالثبات للأسس والمبادئ القائم عليها ، والمرونة أيضا في إطار الثوابت الإسلامية لمواكبة مستجدات الأحوال والأزمان. ( 9 )
ولعل أفضل القول عما يترسمه الإعلام الإسلامي في منهجه ورسائله ، هو قوله تعالي : ’ ومن أحسن قولا ممن دعا إلي الله وعمل صالحا وقال أنني من المسلمين ’ . ( 10 )
5 – مفهوم الإعلام الرمضاني :
أما عن الإعلام الرمضاني فهو موضوع متشعب النواحي ، عديد التأثيرات ، مهما للغاية ، فإذا كان الإعلام عامة أثره الهائل في حياة الأفراد والمجتمعات حتى قيل أن الإنسان ابن إعلامه ، فإن له أيضا أثره المؤكد في شهر رمضان ، وهو موضوع يتسع باتساع دائرة الإعلام نفسها ويكفي أن نعلن ’ أن الوسائل الرئيسة للإعلام تمتد لتشمل العديد من الوسائل المقروءة كالصحافة ووكالات الأنباء والمطبوعات والكتب والنشرات والملصقات ، ووسائل سمعية تتمثل في الإذاعة والخطابة والندوات والمناقشات ، ووسائل بصرية كالفنون ، ووسائل سمعية بصرية كالقنوات التليفزيونية والفضائية والمسرح والسينما والإنترنت ووسائل حسية كالمقابلة والمحادثة ’ . ( 11 )
وبذلك تتعدد قضايا الإعلام الرمضاني لدرجة يصعب تناولها جميعها في هذه السطور ، أننا نكتفي بالإشارة في إيجاز إلي العديد من هذه القضايا الأساسية في علاقة شهر رمضان بالإعلام .
6 – أفاق رحبة ( أهداف الإعلام الرمضاني ) :
تتعدد أهداف الإعلام الرمضاني في إطار الثوابت الإسلامية لكنها جميعا تشير إلي أن الرسالة الإعلامية الصحيحة يجب أن تركز بصفة أساسية علي الهدف الأسمى من الشهر الفضيل وتدعو إعلاء الروح والتجرد من كثافة الحياة المادية ونيل التقوى وطلب المغفرة والرحمة من رب العالمين ، فرمضان سوق قام ثم انفض ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر ، فالمسلم يحتاج في حياته إلي الزاد الإيماني الذي يعيينه ويقوي روحه في مواجهة ماديات الحياة ، ورمضان فرصة ثمينة لاكتساب هذا الزاد فهو سوق الطاعات وذخيرة السنوات ، ولا يصح بحال من الأحوال أن تناقض الرسالة الإعلامية هذا الهدف الجليل وتعمل علي تميعه وتضيع معالمه ، وبذلك يحتل الهدف الإيماني للإعلام الرمضاني المكانة الأولي ولأهميته في تلك الأيام المباركة يجب أن تواكب الوسائل الإعلامية في مضمونها وأهدافها روح هذا الشهر الكريم فتدفع فيه الأفراد والمجتمعات إلي التزكية وتنقية الأجواء وبث الروح الإيماني في الأمة الإسلامية .
أولا – الهدف الإيماني للإعلام الرمضاني :
فتبدأ الرسالة الإعلامية الرمضانية بحض المسلمين علي الاستعداد الجيد لاستقبال الشهر الفضيل والتجهز له بالتدريب المتدرج علي القيام وتلاوة القرآن وصيام بعض أيام شهر شعبان وتفريغ النفس من شواغلها وإنجاز غالب الأعمال الدنيوية المطلوبة لشهر رمضان وعيد الفطر حتى لا ينشغل الوقت في الشهر الكريم وهي أوقات غالية جدا وإعداد خطة عمل طموحة مع الاستعداد الدءوب لتحقيقها ثم التأكيد علي متابعة الإعلامية لهذه الخطة أثناء الشهر الكريم نفسه من توضيح لفضائل تلك الأعمال الصالحة من دعاء وقراءة نافعة وتلاوة وصلاة التراويح وصلاة التهجد والصلوات في جماعات وصلة الأرحام والصلاة في الصفوف الأولي والصدقات وحفظ بعض آيات القرآن الكريم ، وحفظ الجوارح من المعاصي ، والدعاء واللجوء الصادق إلي الله تعالي ، ثم التصاعد التدريجي حتى يصل المسلم لذروة أدائه الإيماني والعبادي في العشر الأواخر من رمضان بالتفرغ الكامل للعبادة والاجتهاد فيها والاعتكاف ... وهكذا .
وتستمر الرسالة الإعلامية الهادفة طوال الشهر في دعم هذا الاتجاه وتأكيده بالتنبيه علي تدراك ما فات من الشهر الكريم بالاجتهاد في الأيام المقبلة وسرعة إجتناءها ، وتقديم مواد تثقيفية جذابة ومشجعة وتراجم للصالحين والإشادة بجوانب عديدة من عظمة الحضارة الإسلامية ، ودعوة المسلمين للعودة إلي منابع دينهم الحنيف لبعث نشر هذه الحضارة الفينانه