الحوار مفهومه وأهدافه وركائزه الصفحة 4 من 6

بواسطة: فاضل بشناق

الحوار في القرآن الكريم

لقد ورد لفظ الحوار في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:
اثنان منها في صيغة الفعل؛ وهما :
قوله تعالى: { فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا}الكهف 34.
وقوله تعالى في نفس السورة: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً} [الكهف: 37].
وهنا نجد أن الحوار غايته بيان الحجة وتقديم البرهان على وجوب طاعة المخلوق للخالق .
أما الثالث في صيغة المصدر في قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} المجادلة [5].

منهج الحوار في القرآن :

تنطلق رحلة المنهج الحواري في القرآن من بداياته الأولى ، حيث لابد من أن يتكافأ الطرفان من حيث الاستعدادات النفسية ، وامتلاك القدرة على الحوار ، ومن ثَمَّ تُرسم قواعده التي سيسير عليها ، ويلتزم الأطراف بالخضوع لما يكشف عنه الحوار من حقائق ، فإذا تم فإما أن يصل الأطراف إلى نتيجة واحدة فيكون قد نجح ، وإما أن لا يقتنع أحد الفريقين أو أن يعاند فإنه يمارس حقاً اعتُرف به بقبول الحوار ، وعندما ينتهي الحوار إلى هذه النتيجة فللمسلم رسالة يختم بها حواره تتمثل بتذكير الطرف الآخر بأنه مسؤول عما وصل إليه ، تلك هي عناوين لتفاصيل قرآنية حول الحوار نذكر بعضها فيما يلي :

1- امتلاك الحرية الفكرية :

لابد لكي يبدأ الحوار أن يمتلك أطرافه حرية الحركة الفكرية التي يرافقها ثقة الفرد بشخصيته الفكرية المستقلة، فلا ينسحق أمام الآخر لما يحس فيه من العظمة والقوة التي يمتلكها الآخر ، فتتضاءل إزاء ذاك ثقته بنفسه وبالتالي بفكره وقابليته لأن يكون طرفاً للحوار فيتجّمد ويتحول إلى صدى للأفكار التي يتلقاها من الآخر.

لذلك أمر الله رسوله أن يحقق ذلك ويوفره لمحاوريه :] قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ‘[الكهف:110] ، ‘قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ’ [الأعراف:188] .

2- مناقشة منهج التفكير :

فإذا امتلك أطراف الحوار الحرية الكاملة فأول ما يُناقش فيه هو المنهج الفكري - قبل المناقشة في طبيعة الفكر وتفاصيلها - في محاولة لتعريفهم بالحقيقة التي غفلوا عنها ؛ وهي أن القضايا الفكرية لا ترتبط بالقضايا الشخصية ، فلكل مجاله ولكل أصوله التي ينطلق منها ويمتد إليها : ‘وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَ نَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ’ [البقرة:170] ] وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، قُلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءكم قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ’ [ [الزخرف:23-24] .

3- الابتعاد عن الأجواء الانفعالية :

من عوامل نجاح الحوار أن يتم في الأجواء الهادئة ؛ ليبتعد التفكير فيها عن الأجواء الانفعالية التي تبتعد بالإنسان عن الوقوف مع نفسه وقفة تأمل وتفكير ، فإنَّه قد يخضع للجو الاجتماعي ، ويستسلم لا شعورياً مما يفقده استقلاله الفكري : ‘قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ’ [سبأ:46] ، فاعتبر القرآن اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون خاضعاً للجو الانفعالي العدائي لخصومه ؛ لذلك دعاهم إلى الانفصال عن هذا الجو والتفكير بانفراد وهدوء .

4- التسليم بإمكانية صواب الخصم :

ولا بد لانطلاق الحوار من التسليم الجدلي بأنَّ الخصم قد يكون على حق ، فبعد مناقشة طويلة في الأدلة على وحدانية الله تأتي هذه الآية من سورة سبأ: ‘قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاوَاتِ والأرض قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، [سبأ : 24] ، فطرفا الحوار سواء في الهداية أو الضلال ، ثم يضيف على الفور في تنازل كبير بغية حمل الطرف الآخر على القبول بالحوار: ’ قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا ولا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‘. [سبأ : 25] ، فيجعل اختياره هو بمرتبة الإجرام على الرغم من أنه هو الصواب ، ولا يصف اختيار الخصم بغير مجرد العمل ، ليقرر في النهاية أن الحكم النهائي لله : ‘قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ(26)’ [سبأ : 26] .

5- التعهد والالتزام باتباع الحق : هذا ولا يكفي مجرد التسليم الجدلي بإمكانية صواب الخصم ، بل لا بد من التعهد والالتزام باتباع الحق إن ظهر على يديه ، حتى ولو كان التعهد بإتباع ما هو باطل أو خرافة إذا افتُرِض أنه ثبت وتبين أنه حق : ‘قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ’ الزخرف:81 .

6- الانضباط بالقواعد المنطقية في مناقشة موضع الاختلاف :

فإذا تم الالتزام بهذه الأسس فإنَّ الحوار ينطلق معتمداً على قواعد العقل والمنطق والعلم والحجة والبرهان ، والحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن: فما أكثر ما يرد في القرآن: ‘هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ’ [البقرة:111 ، الأنبياء:24 ، النمل:64 ، القصص:75] ، وقال تعالى مرشداً إلى اعتماد العلم والحجة في الحوار : ‘وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ’ [الحج:8 ، لقمان:20] ، ‘هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ’ ، [آل عمران:66] ، ‘إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلاّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ’ [غافر:56] ، ‘أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ، فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ’ [ [الصافات:156-157] .

وفي اتباع اللين والحكمة والموعظة الحسنة يأمر الله موسى عليه السلام:’اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ، اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فقولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ، [طه:42-44] ، ويأمر بإتباع الحكمة في الدعوة : ] وَمَنْ أَحْسَنُ قولاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، [فصلت:33-34] ؛ وتأكيداً لهذا المنهج ينهى الله المؤمنين عن إتباع أساليب السفهاء ، ومجاراتهم في السبِّ والتسفيه لمعتقدات الآخر: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَعَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108] .

7- ختم الحوار بهدوء مهما كانت النتائج :

إذا سار الحوار جادَّاً وفق هذا المنهج من قبل جميع الأطراف ؛ فلا بد أن يصلوا جميعاً إلى ما التزموا به في بداية الحوار من الرجوع إلى الحق وتأييد الصواب ، فإذا رفض المحاور الحجج العقلية كأن لم يقتنع بها ؛ فإنه بذلك يمارس حقاً أصيلاً كَفِلَه له رب العزة ، وسيكون مسئولاً عن ذلك أمام الله تعالى .

وفي هذه الحالة ينتهي الحوار بهدوء كما بدأ دون حاجة إلى التوتر والانفعال :’أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنْ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ’ [هود:35] ، وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُواعَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ [القصص:55] .