الحوار مفهومه وأهدافه وركائزه الصفحة 1 من 6

بواسطة: فاضل بشناق

يقول الإمام الشافعي في الحوار: ما حاورت أحدًا إلا وتمنيت أن يكون الحق إلى جانبه.

إن حقيقة الأزمة التي نعاني منها في واقعنا الفلسطيني ، تتمثل في الثقافة وما تواجهه من أزمة ، وما يعتريها من انحراف وتشويه والحوار في ثقافتنا أصبح الفضيلة الغائبة في ظل سيطرة ثقافة التفرد والقوة والتسلط والإقصاء والتهميش والاستكبار وعدم الواقعية ورفض الآخر ، ولهذا وإذا كنا نسعى لإنقاذ ذاتنا من مزالق ومخاطر هذه الثقافة ، لا بد من رفع الصوت عالياً والعمل الجاد من أجل تأسيس ، منهجي لثقافة جديدة تعكس سلوكيات حميدة ، لدى الأفراد في المجتمع والتي بدورها تنعكس على يسلوكيات الأطر والفعاليات الناظمة للعمل الحزبي والحركي في فلسطين ، بشكل يؤسس لوعي مفاهيمي حركي فعال حول الحوار متوسلا بالنماذج الإسلامية التاريخية التي تخطت الإشكالات العقائدية والأخلاقية والفقهية والكلامية والفلسفية بمنهج الحوار القرآني.
إن هذه أفرزت وما زالت تفرز نمطاً من التوجه السياسي الخاطئ ، والذي بدوره يحرف بوصلة المجتمع عن الوجهة الصحيحة ، وبالتالي الإنزلاق في مستنقعات التشتت الفكري ، والذي به تنمو شجرة علقمية الطعم ، شوكية ، ليس لها ظل للباحث عنه في صحراء الفتنة ، والفوضى ، ولا يمكن للمسار السياسي وخطابه ، أن يكون مسؤولاً وناظماً للحياة المجتمعية والعمل السياسي الواعي ، والقادر على التطور ، والمواجهة ، والتحدي ، وحوارنا الوطني الفلسطيني يجب أن ينطلق من أرضية ، خصيبة ، قابلة لإحياء ثمار الوحدة ، في الشعار ، والوحدة في التوجه، والوحدة في الطموح ، والوحدة في التطلعات ، والوحدة في القرار ، وليس مثلبةً أن يكون للمفاصل والفعاليات والأطر الحزبية والمجتمعية هامش من التفكير ، ورسم السياسات ، ولكن ذلك لا يعني أن يكون هذا الهامش سبباً في تعكير صفو المنظومة الوحدوية الفلسطينية، بل يجب أن يكون هذا الهامش رافداً لهذه المنظومة الإستراتيجية، .
نحن شعب يعشق الحرية ويبذل في سبيلها الغالي والرخيص ، ويسعى بكل جهد صادق وعمل مخلص وإرادة صلبة وقوية لتفويت الفرصة على المتربصين والأعداء الذين ما انفكوا يتآمرون على وحدته في الشعار والكلمة والقرار ، وإن مؤتمر الحوار الوطني هذا دليل على هذا السعي وهذه الإرادة.
وفي البداية أقول إذا كان الخلاف بين البشر سنة كونية وواقع غير منقطع، فإن الحوار مطلب شرعي وإنساني ،والإسلام رسخ هذا المبدأ فالله تعالى أمر رسوله الكريم بالحوار في قوله تعالى:((ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)). وهذا نوع من التبليغ.
والحوار حتى يثمر ويكون له أثره في المجتمعات لابد من حوار متطور ، والخطاب فيه يناسب مختلف الطبقات والتوجهات ، كما قرر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (خاطبوا الناس على قدر عقولهم).
وعندما نقول ، أو ننادي بالحوار ، يعني ذلك أن هناك اختلافا ما ، بين الناس ، والحوار هو السبيل لتقريب وجهتا النظر ، والتوصل إلى قواسم مشتركة ، تخرج الناس من مأزق الإختلاف لتخلهم في بوتقة من التوافق إذا أردنا أن لا نقول إجماعاً .
صحيح أن الخلاف والاختلاف واقع بين الناس في مختلف العصور ، وهو سنَّة الله في خلقه ، كما قرر ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْعَالِمِينَ } (الروم:22)
وهذا الاختلاف الظاهريّ دالُّ على الاختلاف في الآراء والاتجاهات والأعراض . وهذا ظاهر في قوله سبحانه : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
يقول الفخر الرازي : ( والمراد اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال ) .
ومن معنى الآية : لو شاء الله جعل الناس على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة .. لا رأي لهم فيه ولا اختيار ، ولا يقع بينهم اختلاف ولا تنازع .
أما قوله تعالى : { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } (هود:119) .
فاللام ليست للغاية ؛ بمعنى أنه سبحانه خلقهم ليختلفوا ، بل خلقهم من أجل عبادته وطاعته . ولهذا جاءت اللام للعاقبة والصَّيْرورة ؛ أي لثمرة الاختلاف خلقهم ، وثمرته أن يكونوا فريقين : فريقاً في الجنة ، وفريقاً في السعير .