الحركة الأدبية في الوطن المحتل الصفحة 1 من 5

بواسطة: مأمون أحمد مصطفي

وجه الحركة الأدبية، هو الصورة الأولى العامة التي يلحظها القارىء لأدب شعب من
الشعوب. لان جمال الوجه هو الجمال الذي يأخذ النظر لأول وهلة. لماذا؟ لأنه
الواضح العام، المكشوف للعينين، هو جمال البصر. وما يستتر خلفه، وخلف الروح
جمال لا تراه العين وتدركه البصيرة.

وما بين الجمالين جمال.

جمال توحده قدرة البصر مع قدرة البصيرة، ويرفع الملموس إلى غير الملموس،
فيمتزج الجمالان في تحفة أدبية خلابة، تأخذ العقل وتأخذ الروح إلى مساحات
هائلة من اهتزازات المعاني الروحية الساكنة في قلب سحابات هائمة فوق الأرض،
وتحت أضواء النجوم.

ولكي نصل إلى روح الأدب، لا بد لنا من المرور في محطة الوجه الأدبي، الوجه
العام، أو بتعبير أدق، الصورة المميزة للأدب الذي نود معرفته. لان المحطة
الأولى هي البداية نحو مضمون الجمال الباطن، مفهومه، جوهره، سره، وكنهه.
والوصول إلى مثل هذه المكونات عمل ليس باليسير، كما انه ليس بالصعب. وكل ما
يحتاجه ليس إلا ملكة التحليل الواعية لطبيعة الظروف التي تحتاج دوما إلى دراسة
وافية فيما تحمله من تناقضات وتصارعات، تؤدي بدورها إلى تكوين قاعدة خاصة
بالجمال وفق طبيعتها الحية الحاكمة لأسلوب الحياة وطريقة العقل.

ومن هنا كان الأدب ابن الحياة، تحمله في رحمها شهورا أو سنينا، ليشق طريقه في
رحاب جسدها الجواد الأخضر، ليكون لنفسه رحلة تحمل في جنباتها أثقالا واعباءا،
ينوء بها أحيانا، ويحملها من غير جهد مرة أخرى. فهو بين القادر والعاجز، يفهم
نفسه، ويعود يجهلها، ويتساءل فيجاب، ولا يجاب، ويبحث، فيكتشف جديدا، أو يزيده
اكتشافه غموضا يوقفه عند بحث جديد، ومفهوم جديد. فيحس حينئذ بان عقله يكاد
ينفجر من ضيقه وصغره، ويحس بان عقله كبير، لأنه استطاع الاحاطة بقوانين لم
تستطع أمه الحياة إدراكها وان حوتها. وعندئذ يكون قد نضج بما يكفيه أن يكسر
غلاف الرحم، ليخرج فارزا حبات الأثير بأنامله العذبة، فيهديها لإخوته احساسات
ومشاعر وانفعالات، فيها من لظى ناره غضب على ما لا يتفق وروح الجمال. وفيها من
موج نفسه الهادئة، التي تنحت الصخر معجزات رائعة، وتحتضن حبات الرمال بعطف
وحنان، لتهديه من ندى روحها عبيرا فواحا بالصدق والوفاء.

هذا هو الأدب، وهذا هو وجهه.

ووجه الحركة الأدبية في بلادنا أوضح من وجوه الأدب في بلاد كثيرة. كيف لا؟!
وهو حوار العقول، ومدار الألسن في العالم. ولم يكن كذلك إلا لأنه ارتبط بمفهوم
عميق نحو الحياة وجوهرها. فسكب فكره في بوتقة الأمل والعمل، للوصول إلى المعنى
الأكبر في حق ابن الحياة أن ينهل من عطاء أمه وثروتها، ما ينهل أبناؤها في
أنحاء العالم. انه أدب الكفاح، أدب الجهاد، أدب النضال من اجل الحياة وحنان
الأم، وليس من اجل شرب مياه البحار والمحيطات جرعة واحدة من أنبوب قطارة
الأنانية والذاتية.

هو أدب يتقلقل فيه الحب والغضب، تقلقل الروح في الجسد حين خروجها من أوردته
وعروقه. هو تقلقل التمسك بجمال الحياة وغضب على امتهان الحياة. أدب الإنسان
وكفاحه من اجل إثبات إنسانيته الإنسان. أدب وحدة التراب المتحرك في صحارى
الصدور القاحلة، والذي يقع فيه من لا يراه وقعة النمر في حفرة الصياد.