الفوائد و الدرر من حديث لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَل من 10

بواسطة: د. ربيع أحمد

وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إلا أن يتغمدَني اللهُ بمغفرة ورحمة))، يفيدُ عدم الاغترار بالأعمال، فمهما بلَغت الأعمالُ من العِظَم، لا بد من فضل الله ورحمتِه لتدخلَ بسببها الجنة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إلا أن يتغمدَني اللهُ بمغفرة ورحمة))، فيه أن العاملَ لا ينبغي أن يتَّكِل على عمله في طلب النجاة ونَيْل الدرجات؛ لأنه إنما عمِل بتوفيق الله، وإنما ترَك المعصيةَ بعصمة الله، فكلُّ ذلك بفضله ورحمته[37].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إلا أن يتغمدَني اللهُ بمغفرة ورحمة))، فيه ردٌّ على المعتزلة القائلين بأن الجنة عِوَضٌ عن العمل في الدنيا، كما أن الأجر عِوَضٌ عن عمل الأجير، وهذا سوءُ أدبٍ مع الله، واستدلوا بقوله - تعالى -: ﴿ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الزخرف: 72]، والآية دليلٌ عليهم لا لهم؛ فكونُ الجنة ميراثًا؛ أي: أنها ليست بعِوَض عن شيء؛ كالميراثِ من الميت ليس بعِوَضٍ عن شيء، بل هو صلةٌ خالصةٌ حصَلت بلا تعبٍ.
قال زين الدين العراقي:
‘فيه حجَّة لمذهب أهل السنَّة أن الله - تعالى - لا يجب عليه شيءٌ من الأشياء، لا ثواب ولا غيره، بل العالَم ملكُه، والدنيا والآخرة في سلطانه، يفعل فيهما ما يشاء، فلو عذَّب المطيعين والصالحين أجمعين وأدخلهم النار، كان عدلاً منه، وإذا أكرَمهم ونعَّمهم وأدخلهم الجنة، فهو بفضلٍ منه، ولو نعَّم الكافرين وأدخلهم الجنة، كان له ذلك، لكنه أخبر - وخبرُه صِدقٌ - أنه لا يفعل هذا، بل يغفر للمؤمنين ويُدخلهم الجنة برحمتِه، ويعذب الكافرين ويدخلهم النار عدلاً منه؛ فمن نجا ودخل الجنة، فليس بعمله؛ لأنه لا يستحق على الله - تعالى - بعمله شيئًا؛ وإنما هو برحمةِ الله وفضلِه، وذهبت المعتزلةُ إلى إيجاب ثواب الأعمال على الله - تعالى - وحكَّموا العقل، وأوجبوا مراعاةَ الأصلح’[38].
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ المعتزلةُ، فلن يَدخُلَ أحدٌ الجنةَ بعمله؛ ففي القرآنِ ما يدل على أن دخولَ الجنة بفضل الله، لا عوضًا عن العمل، منها قوله - تعالى -: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [الروم: 45]، ودل قوله - تعالى -: ﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ على أنه لن يَدخُل أحدٌ الجنةَ بعمله؛ لقلَّتِه وحقارته، ولكن بمحضِ فضل الله تعالى؛ إذًا وعدُ الله للمؤمنين بالجنة تفضُّلٌ وإنعام، لا كما يقول الجهَّال.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ المعتزلة، فلن يدخُل أحدٌ الجنةَ بعمله؛ لأن عمل الإنسان مهما بلغ، فلن يساوي شيئًا من نِعَم الله عليه في الدنيا، فضلاً عن الآخرة؛ إذًا وعْدُ الله للمؤمنين بالجنة تفضُّلٌ وإنعام، لا كما يقول الجهَّال.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ المعتزلةُ، فلن يدخُل أحدٌ الجنةَ بعمله؛ فعمل العبد وخدمته لسيده واجبةٌ عليه، بحكم كونِه عبدَه ومملوكَه، ولو طلب من سيده الأجرةَ على عمله وخدمتِه، لعدَّه الناسُ أحمقَ، ونحن عبيدٌ لله، وطاعتنا لله تعود بالنفع علينا لا على الله، وهو الذي أعطانا القدرةَ على طاعته، ويسَّر لنا طاعته، ووفَّقنا لطاعتِه، فكيف ننتظر منه أجرةً؟! إذًا وعْدُ الله للمؤمنين بالجنة تفضُّل وإنعام، لا كما يقول الجهَّال.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ المعتزلةُ، فلن يدخُل أحدٌ الجنةَ بعمله؛ فإنك إذا وفِّقت للعمل الصالح، فهذا نعمةٌ قد أضلَّ اللهُ - سبحانه وتعالى - عنها أُمَمًا، وما دامت نعمةً، فهي تحتاجُ إلى شُكر، وإذا شكرت فهي نعمة تحتاج إلى شُكر آخرَ، فكيف تريد أخْذ أجرةٍ من شيء لا تستطيعُ أن توفِّي شُكرَه؟! إذًا وعْد الله للمؤمنين بالجنة تفضُّل وإنعام، لا كما يقول الجهَّال.
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخطأ المعتزلةُ، فلن يدخُل أحدٌ الجنةَ بعمله؛ لأن نعمةَ الجنة نعمةٌ مستمرَّة دائمة، وعملك في الدنيا محدودٌ منقطعٌ، أعمالُ الطاعات كانت في زمن يسيرٍ، والثواب لا يَنفَد؛ فالإنعام الذي لا ينفَد (الجنة)، في جزاء ما ينفد (عمَل الإنسانِ خلال عمره في الدنيا)، بالفضل لا بالأعمالِ، لا كما يقول الجهال.
قال ابن بطَّال:
‘فإن قال قائل: فإن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لن يُدخِل أحدَكم عملُه الجنَّة)) يعارض قوله - تعالى -: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الزخرف: 72]، قيل: ليس كما توهَّمت، ومعنى الحديث غيرُ معنى الآية، أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث أنه لا يستحقُّ أحدٌ دخولَ الجنة بعمله، وإنما يدخلها العبادُ برحمة الله، وأخبر الله - تعالى - في الآية أن الجنةَ تُنال المنازلُ فيها بالأعمال، ومعلوم أن درجاتِ العباد فيها متباينةٌ على قدر تبايُن أعمالهم؛ فمعنى الآية في ارتفاع الدرجات وانخفاضها والنعيم فيها، ومعنى الحديث في الدخول في الجنة والخلود فيها؛ فلا تعارض بين شيءٍ من ذلك’[39].