الفوائد و الدرر من حديث لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَل من 10

بواسطة: د. ربيع أحمد

دخولَ الجنة لذاته؛ ردًّا على المعتزلة القائلين: إن العملَ الصالح يوجب دخولَ الجنة لذاته، وصاحب العمل الصالح يستحق أن يُدخلَه اللهُ الجنةَ.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه))، ليس فيه نفي أن يكون العملُ سببًا لدخول الجنة، ولكن يفيد عدم الاعتماد والاتِّكال على العمل في دخول الجنة، ويفيد أن مجردَ السبب لا يوجب حصولَ المسبَّب.
وكون العمل الصالح لا يُدخِل الجنةَ، فهذا لا يستلزم ألا يكونَ العملُ الصالح سببًا لدخول الجنة، كما أن الوطءَ لا يستلزم الإنجاب، وإن كان الوطءُ سببًا في الإنجاب، والتداوي لا يستلزم الشفاء، وإن كان التداوي سببًا في الشفاء، والمطر لا يستلزم الإنبات، وإن كان المطرُ سببًا في الإنبات، والمذاكرة لا تستلزم النجاحَ، وإن كانت المذاكرة سببًا في النجاح.
وكم من رجلٍ وطِئ زوجتَه ولم يحدُث إنجاب، وكم من مريض أخذ الدواء ولم يحدثِ الشفاءُ، وكم من مطر نزَل على أرضٍ ولم يحدث الإنباتُ، وكم من طالبٍ ذاكَرَ ولم ينجح؛ فمجردُ الأسباب لا يوجب حصول المسبَّب، بل لا بد من تمامِ الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاءِ الله وقدره.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -:
‘ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبَّب؛ فإن المطر إذا نزل وبُذِر الحب، لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريحٍ مُربية بإذن الله، ولا بدَّ من صرْف الانتفاءِ عنه؛ فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزالِ الماء في الفرج، بل كم مَن أنزل ولم يولَد له؛ بل لا بد من أن اللهَ شاء خَلْقه، فتَحْبَل المرأةُ وتُربيه في الرحم، وسائر ما يتم به خَلقه من الشروط وزوال الموانع.
وكذلك أمر الآخرة ليس بمجردِ العمل ينال الإنسانُ السعادةَ، بل هي سبب؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنه لن يَدخُل أحدُكم الجنةَ بعمله))، قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: ((ولا أنا، إلا أن يتغمَّدَني اللهُ برحمةٍ منه وفضلٍ)).
وقد قال: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 32]، فهذه باءُ السبب؛ أي: بسبب أعمالِكم، والذي نفاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - باءَ المقابلة؛ كما يقال: اشتريتُ هذا بهذا؛ أي: ليس العملُ عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله’[34].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه))، يفيد نفْي الجبر؛ فقد أضاف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العملَ للإنسان، والإضافة تقتضي التخصيصَ؛ فالعمل خاص بالإنسان، من فعله لا من فعل غيره، ولو لم يكن العملُ من فعل الإنسان، لَمَا كان لإضافة النبي - صلى الله عليه وسلم - العملَ للإنسان معنًى.
ولو لم يقُل لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه))، لظننَّا أن أعمالَنا تُبلغنا المنزل؛ ففي هذه الجملة الوجيزة قطعُ الغرور بالعمل، وما من عمل صالحٍ إلا ويشوبُه شيءٌ من التقصير وعدم فعْله على الوجه الأكمل، خاصة في الصلاة وقراءة القرآن والأذكار، تجد انشغال البال؛ لذلك أُمرنا عقب الطاعة بالاستغفار؛ جَبْرًا لِما حدث من تقصير في فعْل الطاعة كما ينبغي، ولو لم يكن في الاستغفار عقب عمل الطاعات إلا أن يكون سدًّا منيعًا من أن يصابَ المرءُ بالعُجب والغرور، لكفى.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ولا أنا))، دليلٌ على عدم عُجْب النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وعمله، رغم رفعة مقامه، وصدق قوله - تعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]؛ أي: لقد كان لكم في أقوال رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله وأحواله قدوةٌ حسنة تتأسَّون بها، فالزموا سنَّته؛ فإنما يسلكُها ويتأسَّى بها مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، وأكثَرَ من ذِكر الله واستغفاره، وشُكرِه في كل حال.
قال الكرماني:
‘إذا كان كلُّ الناس لا يدخلون الجنة إلا برحمة الله، فوجْه تخصيص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذِّكر، هو أنه إذا كان مقطوعًا له بأنه يدخل الجنة، ولا يدخلها إلا برحمة الله؛ فغيرُه يكون في ذلك بطريق الأَولى’[35].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إلا أن يتغمَّدني الله))؛ أي: إلا أن يسترَني الله برحمته، يقال: تغمَّده الله برحمته: إذا سترَه بها، ويقال: تغمَّدت فلانًا؛ أي: سترتُ ما كان منه وغطَّيته، ومنه غَمْد السيف؛ لأنك إذا غمدتَه، فقد سترتَه في غِلافه[36].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إلا أن يتغمدَني اللهُ بمغفرة ورحمة))، يفيد تركَ الاعتماد على الأعمال، والرُّكونِ إليها، والطمع في عفوِ ورحمة ذي الجلال والإكرام.