الفوائد و الدرر من حديث لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَل من 10

بواسطة: د. ربيع أحمد

الوصول للكمال، فعليه بالمقاربة، فكأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: اعملوا بعمل الطاعة ما أمكنكم ذلك؛ حتى تبلغوا كمالَ الطاعة وتمامها، فإن لم تبلغوا كمالَ الطاعة، فلا أقل من أن تَقتربوا من الكمال، فإذا أردت أن تطاع، فاطلُب ما يُستطاع، وأما إن طلَبت ما لا يستطاع، فأنت تُضيِّع وقتك؛ لأنك تطلب مستحيلاً، وهذا من الحكمة في الدعوة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشِروا)) من البِشارة، وهي الإخبارُ بما يُسَرُّ به المُخبَرُ به إذا كان سابقًا لكل خبرٍ سواه، وبنى العلماء عليه مسألةً فقهية بأن الإنسان إذا قال لعبيده: أيكم بشَّرني بقدوم زيد، فهو حرٌّ، فبشَّروه فُرادى، عُتِق أوَّلُهم؛ لأنه هو الذي سرَّه بخبره سابقًا، ولو قال مكان (بشَّرني): ‘أخبرني’، عُتِقوا جميعًا[32].
واشتقاق البِشارة إما من البِشْر، وهو السرور، فيختص بالخبر الذي يسُرُّ، أو من البَشَرة، وهو ظاهر الجِلد؛ لتأثيره في تغيير بَشَرة الوجه، فيكون فيما يسُرُّ ويغُمُّ؛ لأن السرورَ كما يوجب تغيير البشرة، فكذلك الحزنُ يوجبه، لكنه عند الإطلاق يختص في العُرف بما يسُرُّ، وإن أريد خلافه، قُيِّد؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الانشقاق: 24].
قال نجم الدين النسفي في البشارة: ‘الخبر الذي يؤثِّر في بشرة المخبَر، وهي ظاهرُ جلده بالسرور، وذلك يحصل بإخبار الأول دون الثاني، وقد يقع البشارة على الخبر المحزِن؛ لِما أنه يؤثر في البشرة أيضًا بالحزن؛ قال الله تعالى: ﴿ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الانشقاق: 24]’[33].
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشروا))، يعني: إذا سدَّدتم أصبتُم، أو قاربتُم الصواب واقتصدتُم في العبادة بلا إفراط أو تفريطٍ، فأبشروا بالثواب الجزيل والخير؛ لأن البِشارة المطلَقة لا تكون إلا بالخير.
وهنا فائدة:
أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر ما هي البِشارة، بل أطلَقها؛ لتتناول البشارةَ بكل خيرٍ عميمٍ، وفضل عظيمٍ، وعطاءٍ جزيل في الدنيا والآخرة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشروا)) بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، فيه دلالة على أنَّ التمسُّك بالشرع وامتثال هدْيه، يعودُ بالنفع على العبد في الدنيا والآخرة.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشروا)) بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سددوا وقاربوا))، فيه تحفيزٌ على الاستقامة والطاعة والتزام الشرع، وفيه عون لهم على الاستقامة والطاعة والتزام الشرع.
فذِكرُ الجزاء الحسن على فعْل العمل، يدفع الإنسانَ للعمل، وتزيد رغبتُه في عمله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - رغَّب الناس في الاستقامة من خلال البِشارة بالخير المترتِّب على الاستقامة.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما أمر بالاستقامة والمقاربة، ذكر ما يُشوِّق إلى ذلك من خير وفضلٍ في الدنيا والآخرة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشروا))، وفي هذا مراعاة للنفس البشرية التي جُبِلت على محبة ما فيه نفعُها ومصلحتها والإقبال عليه، وكُرْه ما يضرُّها ويؤذيها ويُفسِد عليها أمرَها، والنفور منه، وهذا من الحكمة في الدعوة.
ومما نلاحِظُه هنا أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حثَّ الصحابةَ بالترغيب ولم يُتبعه بالترهيب؛ لعلمه - صلى الله عليه وسلم - باستعداد الصحابة للإقبال على الدعوة والانقياد للهَدي النبوي، وفي هذا فائدة أن عند الدعوة والنصح إذا كان الإنسان أشدَّ استجابةً لدواعي المصلحة، ومستعدًّا للإقبال على الدعوة والانقياد للحق - سوف ينفعه الترغيبُ؛ فرغِّبه تثبيتًا له على الحق، وتحفيزًا له ليلزمَ الحق، وإذا كان الإنسانُ أشدَّ انسياقًا وراء الهوى والشهوات، فلن يُردَع إلا بالترهيب؛ فرهِّبْه؛ لأنه أحرى بأن يوقظَه من غفلته، ويُعيده إلى الجادة إن لم يكنْ خُتِم على قلبه بعدُ.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشروا)) بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا))، فيه ردٌّ على الجبرية الذين يدَّعون عدم فائدة العمل، فلولا فائدةُ العمل الصالح والتزام الشرع، لَمَا كان لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشروا)) بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سدِّدوا وقاربوا)) معنًى.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فإنه لا يدخل أحدًا الجنةَ عملُه))، الفاء هنا تسمى الفاء الفصيحة، وهي تدل على محذوفٍ قبلها، هو سببٌ لِما بعدها، وقد سُمِّيت فصيحةً؛ لإفصاحها عما قبلها، والمعنى: وتبشيركم بالخير لا تظنُّوا أنه عِوضٌ عما عمِلتم من الطاعة والعمل الصالح؛ فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه، وهذا ردٌّ على المعتزلة القائلين: إن العبدَ يستحق دخول الجنة على ربِّه بعمله.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((فإنه لا يُدخل أحدًا الجنةَ عملُه))، ليس فيه نفي فائدةِ العمل الصالح كما توهَّم البعض، ولكن فيه أن العملَ الصالح لا يوجب